تتزايد الاضطرابات النفسية على مستوى العالم، حيث يؤثر القلق على الملايين. وفي حين لا يوجد نقص في الأدوية الموصوفة المتاحة للمرضى، تشير دراسة جديدة إلى أن حليفًا غير متوقع في مكافحة القلق قد يكون موجودًا في أنظمتنا الهضمية.
اكتشف علماء من كلية الطب بكلية ديوك في جامعة سنغافورة الوطنية والمعهد الوطني لعلوم الأعصاب في سنغافورة أن البكتيريا الموجودة في أمعائنا تنتج مركبات محددة يمكنها التأثير على السلوكيات المرتبطة بالقلق. ويكشف بحثهم، الذي نُشر في مجلة EMBO Molecular Medicine، كيف يمكن لهذه الكائنات الحية الدقيقة أن تساعد في تنظيم استجاباتنا العاطفية.

يوضح الأستاذ المساعد شون جي من برنامج علم الأعصاب والاضطرابات السلوكية في كلية ديوك-جامعة سنغافورة الوطنية: “تكشف نتائجنا عن العملية العصبية المحددة والمعقدة التي تربط الميكروبات بالصحة العقلية”. “أظهر أولئك الذين لا يحملون أي ميكروبات حية مستويات أعلى من السلوك القلق مقارنة بأولئك الذين يحملون بكتيريا حية. في الأساس، أدى نقص هذه الميكروبات إلى تعطيل طريقة عمل أدمغتهم، وخاصة في المناطق التي تتحكم في الخوف والقلق”.
في بحثهم، عمل العلماء على مجموعتين من الفئران. المجموعة الأولى تم تربيتها بشكل طبيعي، مع كل البكتيريا النموذجية التي تعيش في أجسامها وعلى أجسامها. المجموعة الأخرى تم تربيتها في ظروف معقمة تمامًا منذ الولادة، مما يعني أنها خالية من البكتيريا على الإطلاق. وقد أطلق على هذه الفئران اسم “الخالية من الجراثيم”.
لاختبار مستويات القلق، استخدم الباحثون العديد من الاختبارات السلوكية المصممة بعناية. في أحد الاختبارات التي تسمى اختبار المجال المفتوح، وضعوا الفئران في صندوق كبير به مناطق مفتوحة ومساحات مغلقة. تفضل الفئران بشكل طبيعي البقاء بالقرب من الجدران والأماكن المغلقة عندما تكون قلقة. أمضت الفئران الخالية من الجراثيم وقتًا أطول بكثير مختبئة في مناطق مغلقة وقامت برحلات أقل إلى الأماكن المفتوحة مقارنة بالفئران العادية.
كما استخدموا اختبارًا آخر يُسمى متاهة الصفر المرتفعة، والتي تبدو كمنصة دائرية مرتفعة بها بعض الأقسام المفتوحة وبعض الأقسام ذات الجدران. ومرة أخرى، أظهرت الفئران الخالية من الجراثيم سلوكًا أكثر قلقًا، حيث قضت وقتًا أقل في الأقسام المفتوحة من المتاهة.
ولكن الباحثين لم يتوقفوا عند مجرد مراقبة السلوك. بل أرادوا أن يفهموا ما يحدث في المخ ليسبب هذه الاختلافات. وباستخدام تقنيات متخصصة، نظروا إلى النشاط في منطقة من المخ تسمى اللوزة القاعدية الجانبية، والتي تساعد في معالجة المشاعر مثل الخوف والقلق. ووجدوا أن خلايا المخ في هذه المنطقة كانت أكثر نشاطًا بكثير في الفئران الخالية من الجراثيم.

وكشفت التحقيقات الإضافية أن هذا النشاط الدماغي المتزايد كان مرتبطًا بمشاكل في بروتينات معينة تسمى قنوات SK2. تعمل هذه القنوات عادةً كنظام فرامل لخلايا الدماغ، مما يمنعها من أن تصبح نشطة للغاية. وفي الفئران التي لا تحتوي على بكتيريا الأمعاء، لم تكن هذه القنوات تعمل بشكل صحيح، مما أدى إلى فرط نشاط خلايا الدماغ.
ولتأكيد نتائجهم، جرب الباحثون علاجين مختلفين. أولاً، أعطوا بعض الفئران الخالية من الجراثيم بكتيريا معوية طبيعية. ثانياً، أضافوا مركباً يسمى إندول، والذي تنتجه عادة بكتيريا الأمعاء، إلى مياه الشرب لفئران أخرى خالية من الجراثيم لمدة ستة أسابيع. ساعد كلا العلاجين في تطبيع نشاط خلايا المخ وتقليل سلوكيات القلق.
وكانت النتائج مثيرة للاهتمام: فقد بدأت الفئران التي تلقت أيًا من العلاجين في قضاء المزيد من الوقت في استكشاف المساحات المفتوحة وأظهرت سلوكًا أقل قلقًا بشكل ملحوظ بشكل عام. كما أصبحت أنماط نشاط أدمغتها أكثر تشابهًا مع أنماط الفئران العادية.
هذه النتائج مثيرة للاهتمام بشكل خاص لأنها توفر ارتباطًا واضحًا بين بكتيريا الأمعاء ووظيفة المخ. والأمر الأكثر أهمية هو أنها تشير إلى أن المنتجات البكتيرية مثل الإندول قد تقدم طرقًا جديدة للمساعدة في تقليل القلق دون استخدام أدوية القلق التقليدية.
يقول البروفيسور باتريك تان، نائب العميد الأول للأبحاث في كلية ديوك-جامعة سنغافورة الوطنية: “تؤكد نتائجنا على الروابط التطورية العميقة بين الميكروبات والتغذية ووظائف المخ. وهذا له إمكانات هائلة للأشخاص الذين يعانون من حالات مرتبطة بالتوتر، مثل اضطرابات النوم أو أولئك الذين لا يستطيعون تحمل الأدوية النفسية القياسية. إنه تذكير بأن الصحة العقلية ليست فقط في المخ، بل إنها في الأمعاء أيضًا”.