الصحة والغذاء

هل ما تأكله يؤثر حقًا على أحلامك؟

هل شعرت يومًا بالانزعاج من كابوس غريب، واتهمت وجبة خفيفة تناولتها في وقت متأخر من الليل؟ يبدو أن حدسك كان في محله. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هناك أساسًا علميًا وراء الاعتقاد الشائع بأن بعض الأطعمة قد تؤثر على أحلامك، ويعود السبب في ذلك إلى ما يحدث داخل جهازك الهضمي.

العلاقة بين الطعام والأحلام: دليل علمي

وجدت دراسة شاملة لأكثر من ألف طالب جامعي أن الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز كانوا أكثر عرضة للكوابيس بشكل ملحوظ. كما صنفت منتجات الألبان كثاني أكثر الأطعمة شيوعًا التي تُربط بالأحلام المزعجة. يشير البحث إلى أن أعراض الجهاز الهضمي مثل الانتفاخ، والتقلصات، والغازات، قد تكون الرابط المفقود بين ما تأكله وما يزعجك أثناء نومك.

نُشرت هذه النتائج في مجلة Frontiers in Psychology، وتقدم أول دليل قاطع على أن حساسية الطعام يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على محتوى الأحلام من خلال آليات فيزيائية حقيقية تحدث في الجهاز الهضمي. من بين المشاركين الذين أفادوا بتأثير الطعام على أحلامهم، جاءت منتجات الألبان في المرتبة الثانية بعد الحلويات كأكثر الأسباب شيوعًا.

اللاكتوز والكوابيس: تفاصيل العلاقة

شكلت منتجات الألبان ما يقرب من 22% من الأطعمة المؤثرة على الأحلام، حيث ذكر المشاركون تحديدًا الحليب والزبادي والجبن ومنتجات الألبان الأخرى. ومن المثير للاهتمام أن الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز سجلوا درجات أعلى بكثير في مقياسي تكرار وشدة الكوابيس.

اكتشف باحثون في جامعة مونتريال أن أعراض الجهاز الهضمي هي التي تُجسد هذه العلاقة. باختصار، ليس الجبن بحد ذاته هو سبب الكوابيس، بل الانزعاج الذي يُعانيه الجسم عندما لا يستطيع هضمه بشكل صحيح.

الأطعمة التي تؤثر على النوم

بينما تصدرت منتجات الألبان الأخبار المتعلقة بالكوابيس، جاءت الحلويات في مقدمة قائمة الأطعمة المتهمة باضطرابات الأحلام، حيث شكلت ما يقرب من 30% من إجمالي الأطعمة التي ذكرها المشاركون. كما احتلت الأطعمة الحارة واللحوم والحبوب قائمة مسببات المشاكل.

من ناحية أخرى، أشار المشاركون الذين أفادوا بتحسن جودة نومهم عادةً إلى تناول الفواكه والخضراوات وشاي الأعشاب. تتوافق هذه الملاحظات مع الأبحاث الحالية التي تُظهر أن بعض الأطعمة قد تُعزز جودة النوم أو تؤثر عليها، وأن قلة النوم تُعتبر محفزًا معروفًا للكوابيس.

أدت حساسية الطعام دورًا أيضًا؛ فالأشخاص الذين يعانون من أي نوع من حساسية الطعام كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن تأثير الطعام على أحلامهم بأكثر من الضعف، حتى مع مراعاة الباحثين لعوامل أخرى. يشير هذا إلى أن استجابات الجهاز المناعي للأطعمة المسببة للمشاكل تسهم في اضطرابات الأحلام، بما يتجاوز مجرد الانزعاج الهضمي.

توقيت الأكل: عامل حاسم

لم تقتصر الدراسة على خيارات الطعام فحسب، بل تناولت أيضًا توقيت تناوله. ارتبط تناول الطعام في وقت متأخر من الليل وتناول الوجبات الخفيفة في المساء ارتباطًا وثيقًا بسوء جودة النوم وزيادة وتيرة الكوابيس. يحتاج جهازك الهضمي إلى وقت لهضم الطعام قبل النوم، وتناول الطعام قبل النوم مباشرة قد يخل بدورة النوم الطبيعية.

أظهر المشاركون الذين مارسوا “الأكل الليلي” – أي الاستيقاظ في منتصف الليل لتناول الوجبات الخفيفة – ارتباطًا قويًا بشكل خاص بظهور الكوابيس. وارتبط تناول الطعام في المساء بمشاعر سلبية أكثر تجاه الأحلام، وبدرجات أعلى في مقاييس اضطراب الكوابيس.

كيف تتواصل الأمعاء مع الدماغ؟

اقترح الباحثون عدة آليات لتفسير تأثير الطعام على الأحلام. أكثرها إقناعًا يتعلق بمحور الأمعاء والدماغ، وهو شبكة الاتصال المعقدة بين الجهاز الهضمي والدماغ. عند تناول أطعمة تسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي، لا تختفي هذه الأحاسيس المزعجة بمجرد النوم، بل قد تتسلل إلى أحلامك كمحتوى مزعج أو غريب.

وجدت الدراسة أن أعراض القلق والاكتئاب تفسر جزئيًا العلاقة بين مشاكل الجهاز الهضمي والكوابيس، أي أن الانزعاج الجسدي يسبب ضغطًا نفسيًا يتجلى بدوره في محتوى الأحلام. كما أدت جودة النوم دورًا وسيطًا؛ إذ إن الأطعمة التي تعطل أنماط النوم الطبيعية قد تزيد من احتمالية الاستيقاظ أثناء نوم حركة العين السريعة (REM)، عندما تكون الأحلام في أوج روعها ووضوحها.

حلول عملية لتحسين الأحلام

لكل من يعاني من كوابيس متكررة أو اضطرابات في النوم، تقدم هذه النتائج حلولاً عملية. فبدلاً من اللجوء إلى أدوية النوم، قد يوفر فحص نظامك الغذائي – وخاصة عاداتك الغذائية المسائية وحساسيتك الغذائية المحتملة – نهجًا أكثر طبيعية. يمكن للأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز تقليل تكرار الكوابيس من خلال إدارة أعراض الجهاز الهضمي عبر تغييرات في النظام الغذائي أو مكملات اللاكتاز.

يقول الدكتور توري نيلسن، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة مونتريال: “نحتاج إلى دراسة المزيد من الأشخاص من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية، والذين يتبعون عادات غذائية مختلفة، لتحديد ما إذا كانت نتائجنا قابلة للتعميم على شريحة أكبر من السكان”. ويضيف: “هناك حاجة أيضًا إلى دراسات تجريبية لتحديد ما إذا كان بإمكان الناس رصد تأثيرات أطعمة معينة على الأحلام. نود إجراء دراسة نطلب فيها من المشاركين تناول منتجات الجبن مقابل بعض الأطعمة الأخرى قبل النوم لمعرفة ما إذا كان ذلك يؤثر على نومهم أو أحلامهم”.

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات روناء للإعلام المتخصص   روناء