جميعنا مررنا بهذا الموقف: أنت في وسط حفلة صاخبة، وشخص ما يهمس في أذنك بحديثٍ هام، فتجد نفسك تلقائيًا تغمض عينيك بشدة، محاولًا حصر تركيزك في حاسة السمع لالتقاط كلماته وسط الضجيج.

لطالما ساد الاعتقاد بأن “إطفاء” حاسة البصر يحرر طاقة الدماغ ويوجهها لتعزيز السمع. لكن دراسة جديدة ومثيرة للدهشة تشير إلى أن هذه العادة، في البيئات الصاخبة، قد تؤدي في الواقع إلى “كتم” الأصوات التي نكافح لفهمها بدلًا من توضيحها.
التجربة: تحدي الموروث الشعبي
قام باحثون صينيون مؤخرًا بتفنيد نظرية “إغلاق العينين” عبر اختبار متطوعين في بيئات صوتية متفاوتة التعقيد. ارتدى 25 مشاركًا سماعات رأس، وطُلب منهم تمييز أصوات محددة وخافتة جدًا، غمرتها طبقة كثيفة من الضوضاء الخلفية.
شملت التجربة خمسة أصوات مألوفة:
- تجديف بزورق.
- قرع طبول.
- تغريد قُبّرات.
- حركة قطار.
- نقر على لوحة مفاتيح.
بعد ضبط مستوى الصوت ليكون في حدود “عتبة السمع” (أي بالكاد مسموعًا)، اختبر المشاركون قدراتهم في أربع وضعيات: إغلاق العينين، النظر إلى شاشة فارغة، مشاهدة صورة ثابتة، ومشاهدة مقطع فيديو ديناميكي يتطابق مع الصوت.
نتائج صادمة: العين مرساة للأذن
أظهرت النتائج – التي نُشرت مؤخرًا بمجلة الجمعية الصوتية الأمريكية – حقائق غير متوقعة حول كيفية معالجة الدماغ للصوت وسط الضجيج:
- الفشل عند الإغلاق: عندما أغمض المشاركون أعينهم، تراجعت قدرتهم على تمييز الصوت المستهدف بشكل ملحوظ.
- التفوق عند المشاهدة: في المقابل، أدى تعزيز الصوت بمشهد بصري متحرك (فيديو) إلى رفع حدة السمع ودقتها.
يوضح يو هوانغ، الأستاذ المشارك في جامعة شنغهاي جياو تونغ، قائلًا:
“وجدنا أن إغلاق العينين يُضعف القدرة على تمييز الأصوات، خلافًا للاعتقاد السائد. وعلى العكس تمامًا، فإن التفاعل البصري مع فيديو ديناميكي يحفز حساسية السمع بشكل جوهري.”

التفسير العلمي: “الحالة الحرجة العصبية”
لفك لغز هذه الظاهرة، استخدم الفريق تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لمراقبة موجات الدماغ لدى 27 مشاركًا آخرين. واكتشفوا أن إغلاق العينين يدفع الدماغ إلى حالة تُعرف بـ”الحالة الحرجة العصبية”.
في هذه الحالة، يتحول الدماغ إلى “حارس بوابة” مفرط الحذر؛ فبينما ينجح في حجب الضوضاء المحيطة، فإنه يمارس “تصفية عدوانية” تطال أيضًا الأصوات الهادئة التي نرغب في سماعها، مما يؤدي إلى ضياع المعلومة الصوتية تمامًا.
باختصار، تعمل عيناك كمرساة؛ فعندما يرى دماغك مصدر الصوت أو حركة مرتبطة به، يتحدد له “هدف” واضح للتركيز عليه، مما يساعده على عزل اللحن أو الحديث من وسط الفوضى المحيطة.
متى نغلق أعيننا إذن؟
أشار الباحثون إلى أن إغلاق العينين ليس عديم الجدوى دائمًا. ففي الغرف الهادئة تمامًا، قد يساعدك ذلك على رصد دقات ساعة بعيدة أو تغريد عصفور خافت. ولكن، بما أن حياتنا المعاصرة تضج بأصوات المكيفات، وحركة المرور، والمقاهي المزدحمة، فإن إبقاء عينيك “مفتوحتين ومنشغلتين” هو الخيار الأمثل لتحسين السمع.
الخطوة القادمة: يخطط الفريق لدراسة تأثير “التناقض البصري السمعي” (مثل رؤية طائر مع سماع طبل) لمعرفة ما إذا كان الدماغ يتطلب تطابقًا بصريًا تامًا ليمنح الأذن ذلك “التعزيز” السحري.





