الصحة والغذاء

من اخترع السنبوسك (السنبوسج)؟!

بقلم: محمد سعيد مولوي

 يتصدر «السنبوسك» موائد الإفطار في رمضان، وفي بعض الموائد بعد رمضان مزهوًا بلونه الذهبي اللامع، وطعمه اللذيد، ونكهته الرائعة، وغذائه الجيد بما يحويه في طياته من جبن أو لحم أو جور وما يحمله من دهن السمن أو الزيت.

وللمسلمين في أقطار متعددة عناية كبيرة بالسمبوسك، فإذا ما قرب شهر رمضان عمدت النساء إلى عجن العجين بالماء والزيت ثم جعلت سرائد طويلة وأخذت كل سريدة وهي بطول يقرب من خمس عشرًا سنتيمترًا، فجعلن السرائد فوق بعضها وهيأن الحشو الذي سيوضع فيها ويختلف باختلاف أذواق الناس ولكن غلبة الحشو تكون من اللحم المفروم وقد يضاف إليه البصل المفروم المقلي أيضًا، وقد يكون الحشو جبنًا أبيض لذيذًا.

وتجلس النساء عادة مجتمعات، تأخذ الواحد منهن سريدة فتطوي أولها على شكل مثلث ثم تضع قليلًا من الحشو وتلف عليه العجين بشكل مثلث، وهكذا لفات لفات حتى تصبح بسماكة قريبة من السنتيمتر ثم يحشر الطرف الأخر من السريدة ضمن إحدى الطيات.

وهكذا عمل دائب دائم يحتاج إلى صبر شديد وطول أناة حتى تتكون مجموعة كبيرة من حبات السنبوسك فتجعل أقسامًا في أواني مختلفة وتغطى بما يمنع عنها الهواء حتى لا تجف الرقاقات العجينية، ثم تجعل في الثلاجة، فإذا جاء وقت الطعام أخذ قسم منه وقلي بالزيت أو السمن حسب الرغبة حتى يصبح لونه ذهبيًا فتانًا.

أما ما حشي من هذه السرائد والرقاقات بالجوز فإنه يقلى ثم يوضع في القطر «الشيرة» فيتشرب الطعم الحلو، ويستعمل هذا النوع من السمبوسك حلوى لذيذة تقدم للزائرين أو تؤكل بعد الطعام.

هذا الحديث الذي سقناه قد يجهله القليل ويعرفه الكثير ولكن الهدف أن نسأل الجميع: متى اخترع أو عرف طعام السنبوسك، وهل كان لهذا الطعام تاريخ أصيل في الطعام العربي؟!

إن كلمة السنبوسك تدل على أنها غير عربية، ولما كان الأتراك العثمانيون قد حكموا قسمًا كبيرًا من البلاد العربية،   وأن المطبخ التركي قد أثر بالدرجة الأولى على المطبخ الشامي وامتد تأثيره إلى بقية المناطق من البلاد التي حكمها الأتراك العثمانيون، ولعل السنبوسك هو مما ورثناه عن الأتراك.

كان هذا ظني وربما هو ظن كثيرين. ولكن غير رأيي قصيدة وجدتها كتاب مروج الذهب(1) للمسعودي رواها عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي وهو من شعراء العصر العباسي ومعاصر للخليفة هارون الرشيد يصف فيه صناعة السنبوسك الذي كانوا يسمونه آنذاك «بالسنبوسج»، وأحب أن أثبتها للسادة القراء لطرافتها من جهة ولإثبات أصالة المطبخ العربي الذي بدأت تغزوه أطعمة غريبة عنه وعن ذوق طاعميه كالبيتزا والهمبرغر والطعام الصيني… إلخ، وهي كلها تنسجم مع أجواء البلاد التي نشأت والحاجات الاجتماعية والبيئة فيها:

يقول إسحق بن إبراهيم الموصلي في وصف سنبوسج:

يا سائلي عن أطيب الطعام

سألت عنه أبصر الأنام

أعمد إلى اللحم اللطيف الأحمر

فذقه بالشحم غير مكثر

وأطرح عليه بصلًا ومدورًا

وكرنبًا رطبًا جنيًا أخضرًا

والعق السذاب بعده موفرًا

ودار صيني وكف كزبرًا

وبعده شيء من القرنفل

وزنجبيل صالح وفلفل

وكف نكون وشيء من مرى

وملء كفيف بملح تدمر

فدقه يا سيدي شديدًا

ثم أوقد النار له وقودًا

وأجعله في القدر وصب الماء

من فوقه وأجعل له غطاء

حتى إذا الماء فني وقلأ

ونشفته النار عنه كلا

فلفه إن شئت في رقاق

ثم أحكم الأطراف بالإلزاق

أو شئت خذ جزءًا من العجين

معتد التفريك مستلين

فابسطه بالسويق مستديرًا

ثم اطفرن أطرافه تطفيرًا

وصب في الطابق زينًا طيبًا

ثم أقله بالزيت قليًا عجبًا

وضعه في جام له لطيف

ووسطه من خردل حريف

وكله أكلًا طيبًا بخردل

فهو ألذ المأكل المعجل

ونحن نلاحظ أن ما ذكره الموصلي في طريقة صنع السنبوسك لا يختلف عن طريقتنا اليوم، فإنما هي رقاق من العجين محشوة. وقد تختلف هذه الحشوة قليلًا عما نحشوه اليوم. إذ زيد بعض البقول كالسذاب والكزبرة وبعض البهارات كالكمون والمري والزنجبيل والدارصيني (القرفة). ونحن اليوم لا نلتزم حشوًا واحدًا للسنبوسك فقد يكون لحمًا وقد يكون حلمًا وبصلًا وقد يضاف إليها اللوز أو السنوبر، وقد يضيف بعضهم البيض المسلوق المفروم أو البطاطا المقطعة المقلية وهكذا تنوعت الطرق والنتيجة واحدة.

وأحب هنا أن أشير إلى أن الموصلي قد أشار إلى صنع نوع آخر نسميه في دمشق «الصفيحة المضفورة» فبدلًا من أن يجعل الحشو في داخل الرقاق يجعل الحشو على عجين لين ثم يكف أطراف العجين على أطراف اللحم على شكل ضفيرة وبدلًا من أن يشوى بالفرن يقلى بالزيت.

والآن وقد عرفنا أصالة السنبوسك (السنبوسج) فهل نصنعه كما نصنعه اليوم أم كما وصفه إسحاق الموصلي.

أما أنا فإني مستعد لأكله كيفما صنع، فمن يدعوني إليه؟!

————–

الهوامش:

1- مروج الذهب للمؤرخ الجليل أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ت346-ح4/365.

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات دار   دار اليوم