الصحة والغذاء

مشكلتي مع البامية

قال صديقي يحدثني: كنا سائرين في الطريق وكان الوقت أوائل الصيف، ومررنا على بائع خضار فلمحت كمية من نبات البامية معروضة فقلت ما شاء الله، لقد بكرت البامية هذا الصيف، فراح صاحبي يشتم البامية ويلعن طعمها ويذم شراءها وينال ممن يزرعها. وعجبت من قوله وقلت ما أراك إلا كصاحب المضيرة في مقامات الهمذاني، ما بالك أنت والبامية ولمَ تشن عليها هذه الحرب الشعواء وهي طعام طيب ومفيد.

قال مشكلتي مع البامية ترجع إلى أيام طفولتي وفتوتي، ففي كل مرة كنا نطبخ فيها بامية كانت تقوم المشاحنات والمشاجرات في البيت، وينقلب نعيمه إلى جحيم. قلت: أسمع منك عجبًا، فأنا لا أعرف أن البامية عبارة عن سحر يقلب حياة الناس، قال إذن اسمع ثم احكم بعدل وحق. قلت: هات.

قال: حينما يحضر والدي البامية كان البيت ينقلب إلى معسكرين: معسكر والدي الذي يريد طبخ البامية بطريقة «التطبيقة» ومعسكر والدتي الذي يريد طبخ البامية بطريقة «التقلية». قلت وهل هو اختراع أو عملية جراحية؟ قال: لا هذا ولا ذاك. قلت إذن ما شرح هاتين الطريقتين اللتين ذكرتهما.. وضحك صاحبي وقال: لا بأس عليك، ستتعلم طرق طبخ البامية، أما طريقة «التطبيقة» فتكون بوضع البامية واللحم والبصل المقطع ودبس الرمان أو دبس التمر الهندي في قدر وتدعها على نار هادئة مدة قد تصل إلى ساعتين أو أكثر حتى تنضج البامية وقطع اللحم. أما طريقة التقلية فتكون بقلي حبات البامية بالسمن، ثم يضاف إليها اللحم المسلوق وحمض دبس الرمان أو دبس التمر الهندي أو عصير الليمون مع الملح والفلفل والكزبرة المقطعة ودبس البندورة ولا يوضع البصل مطلقًا وتترك الطبخة على النار مدة حتى تنضج البامية. قلت: هل تعلم أن الطريقتين جيدتان، ولكن أظن أن البامية على الطريقة الثانية هي أطيب وأكثر شهية. ولكن قل: كيف كنتم أو كيف كان أبواك يحلان المشكلة؟ وضحك وقال: كانت البامية تطبخ بالطريقتين، وكل يأكل ما يهوى، لكن أبي كان متحمسًا لأن نأكل بامية.

قلت هذا أمر جيد، فإنكم بدلاً من أن تلزموا بأكل نوع واحد من الطعام تأكلون نوعين. فقال ليست المشكلة في نوع الطعام، المشكلة في الخصومة التي تسود البيت بين منحاز إلى هذا الجانب أو إلى ذاك. حتى صرت أتحاشى البامية وطبخها في بيتي حين كبرت حتى لا تعود إليّ ذكريات الخصامات المتولية عني.

قلت: لكن كل ما ذكرت ليس سببًا وجيهًا لكراهية البامية وشتمها والنيل منها.

قال: لو سمعت بقية القصة لاستغنيت عن اعتراضك.. صحيح أنني أصبحت أتحاشى البامية لكني في الحقيقة أحبها فهي طعام لذيذ وشهي ومفيد. ولقد ظل حبي لها قائمًا حتى لقيت أحد أصدقائي المقربين الذي دعاني إلى طعام الغداء، ورغبني حين قال إنه قد طبخ بامية فأثار حبي لها وحنيني إليها.

لست أريد أن أطيل عليك، فقد جلست إلى مائدة الطعام ودخل صاحبي الدار يجلب الطعام وعاد وهو يحمل وعاء فيه رب البندورة «كاتشب»، واستغربت إحضاره رب البندورة فعلمي أنها تطبخ مع البامية. وعاد الرجل يحمل طبقًا فيه قرون من البامية طول القرن يقارب سبعة سنتمترات، وقد صفت إلى جانب بعضها بعضًا.

وجلس الرجل قبالتي وقال: تفضل… واستغربت ما أرى، فقلت إن العادة عند العرب أن يبدأ المضيف بتذوق الطعام حتى يطمئن الضيف بأن الطعام سليم، فتفضل أنت أولاً، وإنما كان همي أن أرى كيف تؤكل هذه البامية.

ومد الرجل يده إلى الطبق فأمسك بقرن من البامية وغمسه في رب البندورة، ثم فتح فمه حتى النهاية ورفع رأسه إلى الوراء ثم شفط القرن فانزلق في حلقه وكأنه بالوعة كانت مسدودة وانفتحت. والتفت إلي وقال: تفضل.. وأمسكت قرنًا ووضعته في فمي، فأحسست أن البامية لم تنضج وهي كالخشبة التي وضعت في ماء على النار، وقلت ألم تطبخ هذه البامية؟ وقال الرجل: مفتخرًا: لا حاجة لطبخها بل يكفي سلقها قليلاً حتى تنزلق في الحلق، وهي بهذه الحالة أفضل في المأكل لأنها تحتفظ بفيتاميناتها، وتساعد على نظام تخفيف الوزن، ويكون طعامك من الخضراوات لم تدخله دهون ولا سمن، وأحسست بحاجة في نفسي أن أقوم إليه فأبطحه أرضًا واملأ فمه بهذه القطع من الأخشاب التي يسميها البامية. ولكنني ضبطت نفسي وأحببت أن أعامله بطريقته نفسها، فقلت: أنا في الحقيقة لا أحب أن آكل البامية على هذه الطريقة، بل قطعًا نيئة من غير طبخ يزين بها قالب الحلوى «الكاتو» كما يزين بحبات الفراولة وقطع الكيوي.. قال وهل هو طيب ولذيذ على هذه الشاكلة.. قلت أكثر مما تتصور، وأنت ما دمت قد تعودت على طعم البامية شبه نيئة فستجدها مع «الكاتو» لذيذة، وأحسست بالغثيان من رؤيته وهو يلتهم قرن البامية الثاني، فهرعت نحو الباب ونجوت بنفسي وأنا ألعن البامية، وأعاهد نفسي ألا أذوقها ثانية..

بقلم: محمد سعيد المولوي

اضف تعليق

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات دار   دار اليوم