في كشف علمي جديد يفتح آفاقًا واعدة في مجال التغذية العلاجية، أظهرت تجربة سريرية حديثة أجرتها جامعة ولاية أوهايو بالتعاون مع وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، أن تناول عصير الطماطم الغني بمادة “الليكوبين” والمدعّم بمركبات “إيزوفلافونات” الصويا، يسهم بشكل ملحوظ في خفض مؤشرات الالتهابات المزمنة لدى الأفراد الذين يعانون من السمنة.

وتكتسب هذه الدراسة – التي نُشرت في مجلة “التغذية الجزيئية وأبحاث الغذاء” (Molecular Nutrition & Food Research) – أهمية بالغة بالنظر إلى أن الالتهاب المزمن يعد المسبب الرئيسي لجملة من أخطر الأمراض الفتاكة في العصر الحديث، وعلى رأسها أمراض القلب والشرايين، والسكري من النوع الثاني، والأورام السرطانية. وتتضاعف هذه المخاطر لدى فئة يعاني نحو 42% من البالغين الأمريكيين منها، وهي السمنة، حيث يستمر هذا الالتهاب في أجسامهم بوتيرة بطيئة وصامتة ولكنها مدمرة.
“الغذاء الكامل” بديل للمكملات المعزولة
طرح الفريق البحثي سؤالًا عمليًا مغايرًا للمنهجية السائدة في أبحاث التغذية؛ فبدلًا من استخلاص المركبات الكيميائية وعزلها في صورة أقراص أو مكملات دوائية، سعى العلماء إلى اختبار تأثيرها مجتمعة داخل “مصفوفة غذائية حقيقية”.
واستندت الدراسة إلى دمج عنصرين طبيعيين يمتلكان تاريخًا حافلًا في الطب الوقائي:
- الليكوبين (Lycopene): وهو الصبغة الطبيعية المضادة للأكسدة والتي تمنح الطماطم لونها الأحمر المميز.
- إيزوفلافونات الصويا (Soy Isoflavones): وهي مركبات نباتية نشطة ترتبط طرديًا بانخفاض معدلات الإصابة بالأمراض الاستقلابية وبعض أنواع السرطان، لا سيما في المجتمعات الآسيوية التي تعتمد على الصويا كغذاء أساسي.
تصميم مخبري دقيق لمحاصرة الفروق الفردية
أُجريت التجارب السريرية المحكمة في مركز “بيلتسفيل” لأبحاث التغذية البشرية في ولاية ماريلاند. وشملت الدراسة 12 بالغًا يعانون من السمنة المفرطة، وتتراوح أعمارهم بين 30 و60 عامًا.
واعتمد الباحثون تصميمًا ذكيًا يُعرف علميًا بـ(Cross-over Design)، حيث خضع كل مشارك لبرنامجين علاجيين متعاقبين، ليكون بمثابة المرجع المقارن لنفسه، وهو ما يضمن تحييد الفروق الجينية والفسيولوجية الفردية.
مسار التجربة السريرية:
- مرحلة التطهير: خضع المشاركون لنظام غذائي صارم خالٍ من الطماطم والصويا لمدة أسبوعين لتصفية الجسم وتحديد “نقطة الأساس”.
- المرحلة الأولى (4 أسابيع): تناول المشاركون عصير الطماطم المدعم بالصويا يوميًا، بينما تناولت مجموعة أخرى عصير تحكم (مصنوع من طماطم صفراء خالية من الصبغة الحمراء والصويا).
- مرحلة الفصل الاستشفائي: فترة استراحة لتطهير الجسم مجددًا.
- المرحلة الثانية (4 أسابيع): جرى تبادل المجموعات بحيث يتناول كل مشارك العصير الآخر.

ولضمان الفعالية، تلقى المشاركون جرعات مكثفة؛ حيث احتوى المشروب التجريبي على 54 ملغ من الليكوبين ونحو 190 ملغ من إيزوفلافونات الصويا يوميًا، وهي نسب تفوق بمراحل معدلات الاستهلاك التقليدية في النظام الغذائي الغربي والعربي المعاصر.
نتائج واعدة: تراجع ثلاثة بروتينات مسببة للالتهاب
أظهرت التحاليل المخبرية لعينات الدم نتائج إيجابية ملموسة؛ إذ سجل العلماء انخفاضًا حادًا وذا دلالة إحصائية في ثلاثة بروتينات رئيسية مسؤولة عن تحفيز ونشر الالتهابات في الجسم فور تناول العصير المدعم، وهي:
- إنترلوكين-5 (IL-5): المرتبط بالالتهابات التنفسية كالربو والتي تزداد حدتها مع السمنة.
- إنترلوكين-12p70 (IL-12p70): المسؤول عن إطلاق سلسلة من الإشارات الالتهابية المتتابعة.
- عامل (GM-CSF): المرتبط بأمراض الرئة الالتهابية الناتجة عن زيادة الوزن.
في المقابل، لم يطرأ أي تحسن يُذكر على هذه المؤشرات خلال فترة تناول عصير التحكم الأصفر، مما يؤكد التأثير العلاجي المباشر للمزيج الأحمر. كما رصدت الدراسة ارتفاع مستويات الليكوبين في الدم بنحو 2.5 ضعف، مما يثبت قدرة الجهاز الهضمي على امتصاص هذه المركبات بكفاءة عالية.
البول يكشف أسرارًا تفوق التوقعات
لم تقتصر الدراسة على فحص الدم، بل وظّفت تقنية التحليل الكيميائي الشامل للمركبات (Metabolomics) في بول المشاركين. وأظهرت النتائج أن الجسم كان يعالج ويصفي نواتج إيزوفلافونات الصويا بنشاط كبير.
واللافت في النتائج، أن كلا العصيرين (الأحمر والبروتوكولي الأصفر) أحدثا تغيرات كيميائية متداخلة في البول، مما يقود العلماء إلى حقيقة هامة: وهي أن الطماطم تحتوي على مركبات حيوية نشطة ومفيدة تتجاوز الليكوبين وحده، وتؤثر في كيمياء الجسم بطرق معقدة لا تزال بحاجة لمزيد من الفهم والاستكشاف.
عوائق فرضتها الجائحة.. والخطوة القادمة
أقر الفريق البحثي بوجود بعض القيود التي واجهت الدراسة، وأبرزها تقليص عدد المشاركين إلى 12 شخصًا فقط بدلًا من 30 جراء القيود التي فرضتها جائحة كوفيد-19 في ذلك الوقت، فضلًا عن عدم فرض ضوابط غذائية صارمة على الوجبات المصاحبة للعصير، مما قد يتسبب في تفاوت نسب الامتصاص بين شخص وآخر.
ختامًا، تضع هذه الدراسة لبنة أساسية في دعم مفهوم التغذية الوظيفية. ورغم أن تناول كوب من عصير الطماطم والصويا يوميًا لا يمكن أن يكون بديلًا عن البروتوكولات الطبية المعتمدة، إلا أنه يمثل خيارًا غذائيًا مدعمًا بالدليل العلمي، وسلاحًا إضافيًا بسيطًا وفي المتناول لمواجهة وطأة الالتهابات المزمنة وتحسين جودة الحياة الصحية للأفراد الذين يعانون من السمنة.





