من المحتمل أنك اختبرت شعور “القشعريرة” من قبل؛ ربما تأثرت بلحن موسيقي شجي، أو غمرك فيض من المشاعر المفاجئة، أو ربما كنت تشعر بالبرد فحسب. ورغم أنها تبدو تجربة إنسانية عالمية، إلا أنها لا تصيب الجميع، ولا تحدث للجميع في الظروف ذاتها.

يقول جون ماكفيترز، الدكتور في علم النفس البيولوجي والباحث في جامعة دورهام البريطانية: “تختلف احتمالية الإصابة بالقشعريرة اختلافاً جذرياً من شخص لآخر”.
ما هي قشعريرة الجلد؟
القشعريرة هي رد فعل تلقائي (لا إرادي) يُحول ملمس الجلد من الناعم إلى النتوئي. تُعرف علمياً باسم “انتصاب الشعر” أو “جلد الإوزة”، نظراً لتشابه الجلد في هذه الحالة مع جلد الطيور المنتوفة.
تحدث هذه الظاهرة عندما تنقبض عضلات دقيقة في قاعدة بصيلات الشعر، مما يؤدي لانتصاب الشعرة وتكوّن نتوء بارز. ولأنها مرتبطة بالبصيلات، فهي لا تظهر إلا في المناطق التي ينمو فيها الشعر من الجسم.
المحفزات: لماذا تظهر القشعريرة؟
تعد القشعريرة استجابة نفسية وعصبية ناتجة عن البرد أو تفعيل آلية “الكر والفر”. ويوضح الدكتور ماكفيترز أن الجهاز العصبي الودي – المسؤول عن ردود الفعل التلقائية – مرتبط مباشرة بالعضلات الناصبة للشعر؛ لذا فإن أي تنشيط لهذا الجهاز قد يؤدي لظهورها.
أبرز الأسباب المحتملة:
- مقاومة البرد: تعمل القشعريرة كآلية دفاعية للاحتفاظ بالحرارة؛ فعند انقباض العضلات وانتصاب الشعر، يُحبس الهواء القريب من الجلد ليعمل كطبقة عازلة.
- المشاعر الحادة: الصدمة، الخوف، الغضب، أو الإثارة؛ كلها محفزات تنشط الجهاز الودي. ورغم أن الرابط العاطفي أقل قوة من الرابط الحراري، إلا أنه يظل سبباً جوهرياً.
- التأثر الفني (الرعشة): قد تظهر القشعريرة عند سماع خطاب ملهم أو أغنية مؤثرة. أثبتت الدراسات أن هذه “الرعشة العاطفية” تنشط الدماغ بطريقة تشبه حالات النشوة، مما يعكس شدة التجربة الشعورية.
- الإثارة الجنسية: يشارك الجهاز العصبي الودي أيضاً في استجابة الدماغ للإثارة، حيث ترتبط الأعصاب المسؤولة عن الاستجابة الجنسية بتلك المتحكمة في بصيلات الشعر.

هل لها فوائد صحية؟
من منظور تطوري، كانت القشعريرة وسيلة لتدفئة أسلافنا الأكثر شعراً، تماماً كما تفعل الحيوانات ذوات الفراء اليوم. أما في الإنسان المعاصر، فقد فقدت وظيفتها الأساسية وأصبحت “أثراً” تطورياً يشبه ضرس العقل.
ومع ذلك، كشفت دراسة حديثة على الحيوانات عن فائدة محتملة: تجديد بصيلات الشعر. إذ تبين أن الأعصاب التي تسبب القشعريرة مرتبطة بالخلايا المسؤولة عن نمو الشعر، مما دفع الباحثين لاستكشاف فكرة تنشيط هذه الأعصاب كعلاج لتساقط الشعر.
متى تستوجب القشعريرة القلق؟
في 99% من الحالات، القشعريرة مجرد رد فعل طبيعي. لكنها قد تشير أحياناً إلى حالات صحية إذا كانت مستمرة أو غير مبررة، مثل:
- تقرن الجريبات الشعرية: تراكم الكيراتين الذي يسد المسام ويجعل الجلد خشناً بشكل دائم.
- اضطرابات القلق: حيث ترتبط بنوبات الهلع وردود الفعل العصبية المفرطة.
- أعراض الانسحاب: تظهر عند التوقف المفاجئ عن مواد مثل الكحول أو النيكوتين.
- نوبات الصرع: قد تسبق القشعريرة نوبات صرع الفص الصدغي.
- خلل المنعكسات اللاإرادية: حالة خطيرة قد تلي إصابات الحبل الشوكي.
متى تطلب الاستشارة الطبية؟
يجب الانتباه إذا كانت القشعريرة مصحوبة بـ:
- تكرارها الدائم في نفس الجانب أو المنطقة من الجسم.
- تغير في مستوى الوعي، إغماء، أو صداع حاد.
- ألم في الصدر، ضيق تنفس، أو حمى.
- أعراض عصبية (تدلي الوجه أو عدم تطابق بؤبؤ العين).
- ظهورها المفاجئ بعد بدء أو التوقف عن تناول أدوية معينة (مثل أدوية باركنسون أو مضادات الذهان).





