الصحة والغذاء

لصحة القلب: قليل الدسم أم قليل الكربوهيدرات؟

ربما سمعتَ يومًا أن اتباع نظام غذائي قليل الدسم هو السبيل الأمثل للحفاظ على صحة قلبك، أو لعلك سمعتَ النقيض تمامًا: أن النظام قليل الكربوهيدرات هو الحل السحري. من المفهوم تمامًا لماذا يربط الناس بين الأنظمة الغذائية الصارمة والفوائد الصحية، لكن الأبحاث العلمية الحديثة باتت تؤكد حقيقة مغايرة: النظام الغذائي الأكثر أمانًا ليس هو الذي يفرض قواعد قاسية تحدّ من مغذٍّ رئيسي لحساب آخر، بل السر يكمن في جودة الأطعمة لا في كميتها.

تقول غريس أ. ديروشا، أخصائية التغذية المسجلة والمتحدثة الرسمية باسم أكاديمية التغذية وعلم التغذية في ديترويت: “لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب الجميع، بل هنالك مسارات متعددة لتحقيق صحة القلب عندما يكون التركيز الأساسي منصبًّا على جودة ما نأكله”.

لماذا تُعد جودة النظام الغذائي هي الأهم؟

قام باحثون بدراسة الأنماط الغذائية لما يقرب من 200 ألف بالغ أمريكي عبر ثلاث دراسات كبرى طويلة الأمد، وتوصلوا إلى نتائج حاسمة تُنهي الجدل الدائر بين أنصار “قليل الدهون” وأنصار “قليل الكربوهيدرات“:

  • التشابه في الاستجابة الحيوية: على الرغم من أن النظامين يبدوان مختلفين تمامًا على الورق، إلا أن الجسم يستجيب للنسخ “عالية الجودة” منهما بطرق متطابقة ومفيدة جدًا للقلب.
  • خطر الأطعمة رديئة الجودة: يمكن لنظام “منخفض الكربوهيدرات” أن يكون ضارًا إذا اعتمد على اللحوم المصنعة (مثل اللحم المقدد والدهون المشبعة)، كما يمكن لنظام “منخفض الدهون” أن يكون مؤذيًا إذا امتلأ بالسكريات المضافة والأملاح لتعويض النكهة.
  • الخلاصة: إن تقليل الخطر الإصابة بأمراض القلب لا يعتمد على ما تحذفه من طبقك، بل على ما تضعه فيه.

القواسم المشتركة للأنظمة الغذائية الصحية

يؤكد الدكتور شون هيفرون، طبيب القلب الوقائي ومدير اللياقة القلبية الوعائية والتغذية في مركز لانغون الصحي بجامعة نيويورك، أن الأنظمة الغذائية الصحية – سواء كانت منخفضة الدهون أو الكربوهيدرات – تشترك في غناها بمضادات الأكسدة والمغذيات الأساسية المستمدة من:

  • الفواكه والخضراوات الطازجة.
  • الحبوب الكاملة (غير المكررة).
  • المأكولات البحرية والأسماك الدهنية.
  • المكسرات والبذور النيئة.

ويضيف الدكتور تشيوان وو، باحث ما بعد الدكتوراه في كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة: “هذه الأطعمة النباتية الكاملة تدعم القلب بفضل محتواها العالي من الدهون الصحية ومضادات الأكسدة، مما يساهم في خفض الدهون الثلاثية، ورفع الكوليسترول الجيد (HDL)، وتقليل الالتهابات بفعالية”.

المقارنة العلمية: الفوائد والمخاطر لكل نظام

لنفهم كيف يمكن أن يتحول النظام الغذائي من صديق للقلب إلى عدو له، دعنا نستعرض الجانبين:

1. النظام قليل الدسم (Low-Fat)

  • الفوائد: يساعد في تقليل استهلاك الدهون المشبعة الموجودة في اللحوم الحمراء الدهنية، والزبدة، والقشدة، والمقليات، وهي مسببات معروفة لأمراض الشرايين.
  • المخاطر (فخ التصنيع): لتعويض غياب الدهون، تعمد شركات الأغذية إلى ضخ الكربوهيدرات المكررة والسكريات والنشويات في المنتجات “خالية الدسم”. يهضم الجسم هذه المواد بسرعة كبيرة، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد ومفاجئ في سكر الدم والأنسولين.
  • النتيجة الطبية: مع مرور الوقت، تسبب هذه المنتجات مقاومة الأنسولين، وارتفاع الدهون الثلاثية، والالتهابات الوعائية. (أثبتت الأبحاث أن هوس المنتجات قليلة الدسم في الثمانينيات والتسعينيات لم يخفض معدلات السمنة أو أمراض القلب بل زادها).

2. النظام قليل الكربوهيدرات (Low-Carb)

  • الأنماط الشائعة: مثل حميات (أتكينز، باليو، والكيتو) التي تجبر الجسم على حرق الدهون بدلًا من الجلوكوز لإنتاج الطاقة.
  • الفوائد: تقليل الكربوهيدرات إلى 130 غرامًا أو أقل يوميًا يساهم بفعالية في: إنقاص الوزن، وخفض ضغط الدم، وتقليل الدهون الثلاثية، ورفع الكوليسترول الجيد (HDL).
  • المخاطر (فخ الإفراط الحيواني): يقع الكثيرون في خطأ تعويض الكربوهيدرات بالإفراط في تناول اللحوم الحمراء والمصنعة الغنية بالدهون المشبعة، مما يؤدي إلى قفزة خطيرة في مستويات الكوليسترول الضار (LDL).
  • نصيحة الخبراء: للاستفادة القصوى، يجب التركيز على الدهون النباتية (الأفوكادو، زيت الزيتون، المكسرات) والبروتينات النباتية (مثل التوفو)، مع تبني “الاعتدال” في تناول الكربوهيدرات المعقدة (البقوليات، التوت) بدلًا من الحرمان الشديد.

خريطة طريق لنظام غذائي صحي ومستدام

تؤكد أخصائية التغذية ديروشا أن حماية قلبك لا تتطلب منك الانحياز إلى جبهة ضد أخرى، بل تتطلب بناء نمط حياة مرن يعتمد على القواعد التالية:

  1. الأساس المتين: اجعل الأطعمة الكاملة وقليلة المعالجة هي عماد وجباتك اليومية.
  2. الألياف أولًا: اختر الكربوهيدرات المعقدة الغنية بالألياف (الخضار، الفواكه، البقوليات، الحبوب الكاملة).
  3. الدهون الذكية: استبدل الدهون المشبعة بالدهون غير المشبعة (المكسرات، الأفوكادو، زيت الزيتون)، واجعل الدهون المشبعة لا تتعدى 6% من سعراتك اليومية.
  4. البروتين النظيف: ركز على البروتينات خفيفة الدهون كالأسماك، والدواجن منزوعة الجلد، والخيارات النباتية كالعدس والفاصوليا.
  5. الابتعاد عن السموم الحديثة: قلل لأدنى حد من السكريات المضافة، والأطعمة فائقة المعالجة، والكربوهيدرات المكررة (الدقيق الأبيض).

خلاصة القول

النظام الغذائيمتى يكون صحيًا؟متى يصبح خطيرًا؟
قليل الدسمعندما يعتمد على الخضار، الحبوب الكاملة، والبروتينات الخالية من الدهون.عندما يُستبدل الدسم بالسكريات والكربوهيدرات المكررة والمنتجات المصنعة.
قليل الكربوهيدراتعندما يعتمد على الدهون والبروتينات النباتية، والأسماك، والخضراوات الورقية.عندما يمتلئ بالدهون المشبعة واللحوم الحمراء والمصنعة بكثافة.

نصحة ذهبية: الاستمرارية في اتباع نظام غذائي متوازن وصحي بنسبة 80%، أفضل بكثير من محاولة تطبيق نظام صارم وقاسٍ بنسبة 100% ثم التخلي عنه سريعًا. التغييرات الصغيرة المستدامة – كاستبدال الخبز الأبيض بالخبز الأسمر – هي ما يصنع الفارق الحقيقي لصحة قلبك على المدى الطويل. (استشر طبيبك دائمًا قبل إجراء تغييرات جذرية في نمط غذائك).

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات روناء للإعلام المتخصص   روناء