الصحة والغذاء

كيف تحسن التوابل الصحة والتمثيل الغذائي؟

في مراجعة علمية شاملة نشرتها مجلة “Nutrition Reviews” العريقة، استعرض الباحثون مجموعة واسعة من الدراسات الطبية، ولا سيما تلك التي أُجريت في مركز التغذية البشرية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA). ركّزت هذه المراجعة على فحص التأثيرات الحيوية للأعشاب والتوابل في صحة الإنسان، والبحث في أعماق آلياتها الخلوية.

الأعشاب والتوابل: تاريخ ممتد وفلسفة استخدام

تُعد الأعشاب والتوابل جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغذائية العالمية منذ آلاف السنين، وتحديداً في حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، وآسيا، ويعود توثيق استخدامها الطبي والطهوّي إلى مصر القديمة والإمبراطورية الرومانية.

ورغم تداخلهما، إلا أن هناك فرقاً نباتياً وعملياً واضحاً بينهما:

  • الأعشاب (Herbs): تُستخلص عادةً من الأوراق والزهور الطازجة. تمنح الطعام نكهة رقيقة ومنعشة، لذا يُفضل إضافتها في نهاية الطهي أو تناولها نيئة للحفاظ على زيوتها الطيارة.
  • التوابل (Spices): تُشتق من أجزاء النبات الجافة مثل الجذور، والبذور، واللحاء، والسيقان، أو الثمار. تتميز بنكهات قوية ومركّزة، وتتحمل الحرارة، لذا تُدمج طوال مراحل الطهي المختلفة وفي التتبيلات.

بدائل ذكية لنمط حياة صحي

توصي الإرشادات الغذائية العالمية اليوم بالاعتماد على التوابل كإستراتيجية فعالة لتقليل استهلاك الصوديوم (الملح). على سبيل المثال، يحث نظام DASH (النهج الغذائي لوقف ارتفاع ضغط الدم) التابع للمعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، على استبدال الملح بالأعشاب والتوابل. وتُشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يفضلون الأطعمة الغنية بالتوابل يستهلكون تلقائياً كميات أقل من الملح، مما ينعكس إيجاباً على انخفاض مستويات ضغط دمهم.

السر في البوليفينولات: تحتوي الأعشاب والتوابل على مركبات بوليفينولية ومستقلبات ثانوية مثل الأحماض الفينولية والفلافونويدات. تعمل هذه المركبات كمضادات أكسدة قوية تُعادل “الجذور الحرة” (الذرات غير المستقرة التي تسبب تلف الخلايا)، مما يساهم في الحد من الإجهاد التأكسدي المسؤول عن الشيخوخة المبكرة، والأمراض السرطانية، واضطرابات التمثيل الغذائي.

سجل الأدبيات العلمية في جامعة UCLA (2010 – 2024)

بين عامي 2010 و2024، شهد مركز التغذية البشرية في جامعة UCLA نشاطاً بحثياً مكثفاً شمل 8 تجارب سريرية على البشر و12 تجربة مخبرية. ركّزت هذه البحوث على دراسة تأثير توابل منفردة أو خلطات مركبة، وتم جمعها وتدقيقها عبر مراجعة مرجعية دقيقة والبحث المتقدم في قاعدة البيانات الطبية العالمية PubMed.

الفوائد الصحية لأبرز التوابل وآليات عملها

القرفة:

– منظم السكر الذكي وحارس الخلايا1.تنظيم الجلوكوز بعد الوجبات:‏تجارب سريرية.

أظهرت تجربتان سريريتان في UCLA أن مكملات القرفة تساهم في خفض مستويات الأنسولين والجلوكاجون (الهرمون المسؤول عن رفع السكر في الدم) بعد تناول الطعام، سواء لدى الأفراد ذوي الوزن الطبيعي أو من يعانون من السمنة.

– تعديل الميكروبيوم المعوي

2.تعديل الميكروبيوم المعوي:‏تأثير حيوي.

ارتبط تناول القرفة بإحداث تغييرات إيجابية ملحوظة في تركيبة ميكروبيوم الأمعاء (البكتيريا النافعة)، بالتوازي مع خفض متوسط جلوكوز الدم، على الرغم من رصد ارتفاعات مؤقتة عابرة لدى بعض المشاركين، مما يعكس تعقد العمليات الأيضية.

  • الآليات الجزيئية ومضادات الالتهاب‫3.الآليات الجزيئية ومضادات الالتهاب:

تمتلك القرفة خصائص مضادة للالتهابات، والأكسدة، وحامية للأعصاب والكبد. وتعمل جزيئياً على تعديل التعبير الجيني الالتهابي، وتثبيط الإنزيمات المسببة للالتهاب، وتحسين حساسية الأنسولين. ويعود الفالفلفلضل الأكبر في ذلك إلى مركب “السينامالدهيد”، وهو المكون النشط الرئيسي فيها.

الفلفل الأحمر:

–      تحفيز الأيض دون إزعاج الهضم

تُعرف مادة “الكابسيسين” (Capsicin) الموجودة في الفلفل الحار بقدرتها العالية على تحفيز عملية توليد الحرارة (Thermogenesis) وحرق الدهون، لكنها قد تسبب تهيجاً شديداً في الجهاز الهضمي بجرعاتها العلاجية.

هنا يأتي دور الفلفل الأحمر الحلو (من سلالة CH-19)؛ حيث يحتوي على مركبات تُسمى “الكابسيويدات” (Capsinoids)، وأبرزها “ثنائي هيدروكابسيات” (Dihydrocapsiate – DCT).

  • آلية العمل: يقوم مركب DCT بتنشيط مستقبلات TRPV1 في الأمعاء، مما يحفز الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System) ليزيد من استهلاك الأكسجين ومعدل حرق الدهون وتوليد الحرارة دون التسبب في حرقة المعدة.
  • نتائج الدراسات: في دراسة لجامعة UCLA عام 2010، أظهرت المجموعة التي تناولت 9 ملغ من مركب DCT (ضمن نظام غذائي منخفض السعرات) زيادة ملحوظة في استهلاك الطاقة بعد الوجبات مقارنة بغيرهم. ومع ذلك، تشير الدراسات الأحدث إلى أن هذا التأثير الحراري يكون طفيفاً في حالات الراحة أو أثناء التمرين، ويظهر بوضوح أكبر عند دمج البيانات الإحصائية للمجموعات.

الكركم:

–      محارب السرطان وحليف الذاكرة

يُعد الكركم من أكثر التوابل إثارة للاهتمام العلمي بفضل مركبه النشط “الكركمين” (Curcumin):

  • التآزر الصيدلاني ضد السرطان: في دراسة مخبرية عام 2014 بـ UCLA، تبين أن دمج الكركمين مع مركبات نباتية أخرى مثل “الأركتيجينين” و”إيبيغالوكاتشين غالات” (EGCG – الموجود في الشاي الأخضر) يُحدث تأثيراً تآزرياً هائلاً؛ إذ ضاعف هذا المزيج من موت الخلايا السرطانية (الاستماتة الخلوية) وكبح مسارات نمو أورام الثدي والبروستاتا بشكل يتفوق بمراحل على استخدام كل مركب بمفرده.
  • دعم الإدراك والمزاج: دراسة أخرى مميزة عام 2018 استمرت 18 شهراً، كشفت أن تناول مكملات الكركمين عالية الإتاحة البيولوجية (سهلة الامتصاص) يومياً من قِبل كبار السن، أدى إلى تحسن ملموس في الذاكرة، والانتباه، والمزاج. وأظهرت صور الأشعة تراجعاً في تراكم بروتينات “الأميلويد” و”تاو” المرتبطة بمرض ألزهايمر.
  • مضاد التهاب وموازن للدهون: يثبط الكركمين مسارات الالتهاب الرئيسية في الجسم (مثل آلام الركبة الناتجة عن التهاب المفاصل)، ويُحسن مستويات الكوليسترول لدى مرضى متلازمة التمثيل الغذائي عبر رفع الكوليسترول النافع (HDL) وخفض الضار (LDL).

قوة التآزر: خلطات التوابل وصحة الأمعاء

لا تعمل التوابل في معزل عن بعضها، فالخلطات الشائعة (التي تجمع الفلفل الأسود، والفلفل الحار، والزنجبيل، والقرفة، والأوريجانو، والروزماري، والكركم) تقدم فوائد مضاعفة:

التأثير المستهدفالآلية الحيوية المكتشفة في دراسات UCLA
صحة الميكروبيومتعزيز نمو البكتيريا النافعة (مثل Lactobacillus و Bifidobacteria) وتثبيط البكتيريا المعوية الممرضة.
حماية الأوعية الدمويةإضافة التوابل للحوم قبل طهيها يقلل بشكل حاسم من “بيروكسدة الدهون” (Lipid Peroxidation)، حيث انخفضت تركيزات مادة “المالونديالدهيد” (MDA) السامة والمسببة لتصلب الشرايين.
تعزيز الامتصاصتبين أن خلط الكركم مع الفلفل الأسود يرفع من الفعالية ومضادات الأكسدة أثناء الطهي؛ فرغم أن مادة “البيبيرين” في الفلفل الأسود ليست مضاد أكسدة قوي بمفردها، إلا أنها تمنع كبد الإنسان من تكسير الكركمين سريعاً، مما يرفع امتصاصه بنسبة هائلة.

معلومة طهوية وصحية: تختلف القدرة الإجمالية لمضادات الأكسدة حسب نوع التابل وطريقة التحضير؛ حيث يسجل الأوريجانو (الزعتر البري) أعلى قدرة مضادة للأكسدة بين الأعشاب، في حين يتميز الكركمين بقدرته العالية على الاحتفاظ بكامل فعاليتها الحيوية حتى بعد التعرض لحرارة الطهي.

الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

رغم القفزات العلمية في فهم لغة الأعشاب والتوابل البيولوجية، إلا أن المراجعين يضعون نقاطاً هامة للمستقبل:

  1. فجوة الجرعات: الكثير من الدراسات المخبرية تستخدم تركيزات مركّزة جداً يصعب تحقيقها بمجرد رش التوابل على الطعام اليومي، مما يستدعي ابتكار مكملات غذائية مدروسة.
  2. عوامل الإتاحة البيولوجية: عمليات الطهي، والهضم، والتمثيل الغذائي، بالإضافة إلى التفاعلات الكيميائية بين التوابل والأطعمة الأخرى، تغير من مدى قدرة الجسم على امتصاص هذه المركبات والاستفادة منها.
  3. رؤية مستدامة: يفتح الاستثمار البحثي في هذا المجال الباب لابتكار إستراتيجيات غذائية عملية، وممتعة المذاق، وقليلة التكلفة لدعم الصحة العامة والوقاية من الأمراض المزمنة على المدى الطويل.

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات روناء للإعلام المتخصص   روناء