مع حلول شهر رمضان المبارك، يتجدد التساؤل السنوي حول كيفية الموازنة بين الروحانية التي يفرضها الصيام وبين الاحتياجات الفسيولوجية للجسم. فبينما يمثل الصيام فرصة للتفكر والراحة النفسية، فإنه يضع أجهزة الجسم أمام تحديات حقيقية، لا سيما فيما يتعلق بمستويات الطاقة والترطيب، وهو ما يتوقف بشكل مباشر على “ثقافة المائدة” في وجبتي السحور والإفطار.

فخ الجفاف ونقص الأملاح
تحذر الدكتورة مانجاري تشاندرا، استشارية التغذية السريرية والوظيفية في مستشفى “ماكس” بمدينة جوروجرام الهندية، من إغفال التوازن الكيميائي للجسم خلال ساعات الصيام. وتوضح تشاندرا أن الانقطاع عن السوائل يؤدي إلى نقص الحماية المائية وفقدان “الإلكتروليتات” الضرورية، وعلى رأسها الصوديوم.
ولمواجهة هذا التحدي، تنصح تشاندرا باعتماد استراتيجية “الترطيب الذكي” عبر شرب كميات وافرة من المياه المعززة بالأملاح الطبيعية في الفترة ما بين الإفطار والسحور. وتقول: «إضافة القليل من ملح البحر أو الملح الوردي مع نصف ليمونة إلى الماء، تعد وسيلة مثالية لتعويض الأملاح المفقودة والحفاظ على حيوية الجسم».
السحور: طاقة ممتدة لا تشبع عابر
فيما يخص الوجبة الأهم للاستمرارية، تدعو الدكتورة تشاندرا إلى الابتعاد عن “الخيارات التقليدية الضارة” مثل المعجنات المصنوعة من الدقيق الأبيض، والحلويات، والمقليات التي تسبب الخمول وسرعة الشعور بالجوع.
بدائل ذكية لوجبة السحور:
- البروتينات النباتية: مثل الحمص المسلوق، والبقوليات المنبتة مع الخضراوات.
- المكسرات والبذور: حفنة منها تمنح شعوراً طويلاً بالشبع.
- الفواكه والزبادي: خاصة التوت والحمضيات لغناها بالفيتامينات والألياف.

وتشدد تشاندرا على ضرورة استبدال الحبوب المكررة (الأرز الأبيض والخبز العادي) بالحبوب الكاملة و”الدخن”، نظراً لغناها بالألياف التي تبطئ عملية الهضم وتوفر طاقة مستدامة. كما تبرز أهمية “الدهون الصحية” كعنصر جوهري في السحور، عبر إضافة السمن الطبيعي أو زيت جوز الهند أو زبدة اللوز، لقدرتها الفائقة على توفير وقود هادئ للجسم طوال النهار.
الإفطار: التدرج في التغذية
عند غروب الشمس، تنصح الاستشارية بتجنب الصدمة المفاجئة للجهاز الهضمي عبر المقليات. وتؤكد أن البداية المثالية تكمن في “الوجبة المتوازنة” التي تدمج العناصر التالية:
- بروتين عالي الجودة: (بيض، عدس، فول، أو لحوم خالية من الدهون) لترميم العضلات.
- كربوهيدرات معقدة: (أرز غير مقشور أو دخن) لتعويض مخزون السكر ببطء.
- خضراوات كثيفة: (مشوية أو مطهوة) لتعزيز الألياف.
- دهون محفزة للامتصاص: مثل زيت الزيتون أو الزبدة الطبيعية، والتي تساعد الجسم على امتصاص الفيتامينات من الوجبة.
تختتم الدكتورة تشاندرا نصائحها بالتأكيد على أن “قاعدة التذوق” تسمح بتناول كمية ضئيلة جداً من الحلويات أو المقليات، لكن بشرط أن يظل القوام الرئيسي للمائدة معتمداً على البروتينات والخضراوات والدهون الصحية، لضمان صيام يخلو من الإعياء ويحقق المقصد الصحي والروحي من الشهر الفضيل.





