في الوقت الذي يعتمد فيه ملايين البالغين حول العالم على مضادات الاكتئاب التقليدية مثل “بروزاك” (Prozac)، تظل الآثار الجانبية المصاحبة لها – مثل زيادة الوزن أو الفتور العاطفي – عائقًا كبيرًا يجعل هذه الأدوية خيارًا غير مريح للكثيرين.
تعمل مضادات الاكتئاب التقليدية، وتنتمي لعائلة “مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية” (SSRIs)، على منع الدماغ من امتصاص هرمون السيروتونين بسرعة، مما يساعد على استقرار المزاج. ورغم فعاليتها، إلا أنها قد تسبب لبعض المرضى تبلدًا في المشاعر، فضلًا عن أعراض انسحاب جسدية ونفسية صعبة عند محاولة التوقف عنها.

من هذا المنطلق، نجح فريق بحثي في تطوير علاج مبتكر وخالٍ تمامًا من العقاقير الطبية، يعتمد على عدسات لاصقة شفافة ومرنة، حققت نتائج مذهلة تضاهي فعالية أكثر الأدوية شيوعًا في المختبر.
كيف تعمل العدسات الذكية؟ (تقنية التداخل الزمني)
العدسات مطورة من طبقات رقيقة للغاية من البلاتين وأكسيد الغاليوم (وهي مواد ذات موصلية كهربائية عالية وعالية الشفافية)، وتضم أقطابًا كهربائية مدمجة ترسل إشارات كهربائية خفيفة وغير ضارة.
تعتمد الفكرة على تقنية فيزيائية ذكية تُدعى “التداخل الزمني“ لتحفيز الدماغ من خلال العين. وتعتمد الآلية على إرسال إشارتين كهربائيتين عبر شبكية العين، وتتميز هاتان الإشارتان بـ:
- عدم النشاط في البداية: تكون الإشارات ضعيفة وخافتة ولا تُحدث أي تأثير أثناء عبورها الأنسجة السطحية.
- التفعيل عند التقاطع: بمجرد أن تتقاطع الإشارتان في نقطة محددة في عمق العين (والمرتبطة بمسارات الدماغ المسؤولة عن المزاج)، تندمجان لتشكلا نبضة نشطة وفعالة.
وقد شبه الباحث الرئيسي البروفيسور جانغ أونغ بارك، من جامعة يونسي في كوريا الجنوبية، هذه الآلية بتوجيه كشافين ضوئيين، حيث يكون كل شعاع بمفرده خافتًا وضعيفَ التأثير، ولكن بمجرد تقاطعهما في نقطة معينة تظهر بقعة شديدة الإضاءة بعيدة عن الكشافات نفسها؛ وهو تمامًا ما تفعله العدسات الذكية عبر إرسال إشارتين كهربائيتين غير ضارتين تندمجان وتنشطان فقط عند نقطة التقاء محددة في عمق العين لتستهدف مناطق الدماغ المطلوبة بدقة.
نتائج التجارب المخبرية
نُشرت هذه الدراسة في مجلة Cell Reports Physical Science، حيث اختبر العلماء العدسات على أربع مجموعات من الفئران (مجموعة عولجت بالعدسات لمدة 30 دقيقة يوميًا لثلاثة أسابيع، ومجموعة عولجت بدواء الفلوكستين “الاسم العلمي للبروزاك”، ومجموعة مصابة بالاكتئاب بلا علاج، ومجموعة ضابطة سليمة).
أظهرت النتائج تراجعًا ملحوظًا في كل علامات الاكتئاب السلوكية، وقراءات نشاط الدماغ الكهربائي، والمؤشرات الحيوية في الدم.
توضح المؤشرات الحيوية أدناه حجم التحسن البيولوجي الذي رصده العلماء في الفئران المعالجة بالعدسات مقارنة بالفئران المكتئبة:
| المؤشر الحيوي | التغيير البيولوجي المحقق | الأثر النفسي والجسدي |
| الكورتيكوستيرون (هرمون الإجهاد) | انخفاض بنسبة 48% في الدم | تقليل التوتر والضغط العصبي (يعادل الكورتيزول عند البشر). |
| السيروتونين (هرمون السعادة) | ارتفاع بنسبة 47% في الدماغ | تحسين المزاج بشكل طبيعي ودون الحاجة لعقاقير. |
| الجزيئات الالتهابية | انخفاض ملحوظ في خلايا الدماغ | حماية الخلايا العصبية من التلف المرتبط بالاكتئاب المزمن. |
| الاتصال العصبي | استعادة الروابط بين الحصين وقشرة الفص الجبهي | إعادة كفاءة التفكير، والذاكرة، والتحكم في المشاعر. |

بلغت دقة النتائج حدًا جعل خوارزميات التعلم الآلي (الذكاء الاصطناعي)، عندما طُلب منها تصنيف الفئران بناءً على سلوكها ونشاط دماغها، تدمج فئران “مجموعة العدسات اللاصقة” تلقائيًا مع “المجموعة الضابطة السليمة”، مما يعني أن مؤشراتها عادت لطبيعتها تمامًا.
الخطوات المستقبلية
يسعى الفريق البحثي الآن إلى تكييف هذه التقنية لتناسب البشر عبر خطوات علمية صارمة تشمل:
- تحويل العدسات لتصبح لاسلكية بالكامل.
- اختبار أمان التقنية على المدى الطويل في حيوانات أكبر حجمًا.
- تخصيص شدة التحفيز الكهربائي بما يتوافق مع طبيعة كل مستخدم قبل بدء التجارب السريرية على البشر.
ويأمل الباحثون ألا يقتصر هذا الابتكار القابل للارتداء على علاج الاكتئاب فحسب، بل أن يمتد لعلاج اضطرابات أخرى مثل القلق الشديد، وإدمان المخدرات، والتدهور المعرفي (مثل ضعف الذاكرة).





