يعكف باحثون من جامعة كارولاينا الطبية (MUSC) على دراسة واعدة لمرض التهاب الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي (MASH)، وهو مرض صامت يفتك بمئات الملايين حول العالم، ويُعد من أبرز مسببات زراعة الكبد. ورغم خطورته، لا تزال الخيارات العلاجية المتاحة محدودة للغاية.

إلا أن دراسة حديثة نُشرت في مجلة “npj Metabolic Health and Disease” كشفت عن أفق جديد؛ حيث تبين أن عقار “فورموتيرول” (Formoterol)، وهو دواء شهير ومستخدم منذ عقود لتوسيع الشعب الهوائية لدى مرضى الربو والانسداد الرئوي المزمن، قد يغير قواعد اللعبة في علاج أمراض الكبد.
اكتشاف بمحض الصدفة: من الكلى إلى الكبد
بدأت الرحلة العلمية في مختبرات أبحاث الكلى، حيث كان الفريق البحثي يختبر تأثير “الفورموتيرول” على فئران مصابة بتلف الكلى الناتج عن السكري. وبينما نجحت التجارب في تحسين وظائف الكلى (ونُشرت في “المجلة الأمريكية لفيزيولوجيا الكلى” عام 2024)، لاحظ الباحثون مفاجأة لم تكن في الحسبان: تراجع ملحوظ في تراكم الدهون داخل أكباد الفئران.
يقول الدكتور جوشوا ليبشوتز، مدير قسم أمراض الكلى بجامعة MUSC: “بشكل غير متوقع، وجدنا أن تلف الكبد قد تراجع أيضًا. لقد كان هذا الاكتشاف المحرك الأساسي لخط بحثي جديد يركز على قدرة هذا الدواء على علاج الأمراض الأيضية في أعضاء متعددة عبر استهداف مستقبلات (بيتا-2) الأدرينالية.”
كيف يعمل “الفورموتيرول” على إصلاح الكبد؟
لاختبار هذه الفرضية، وضع الفريق نماذج مخبرية تحت نظام غذائي عالي الدهون يحاكي مرض الكبد الدهني البشري. وأظهرت النتائج أن العلاج بالفورموتيرول لم يكتفِ بإيقاف المرض، بل عكس مسار الحالة المرضية على مستويات عدة:
- إحياء الميتوكوندريا: يعمل الدواء على زيادة “التكوين الحيوي للميتوكوندريا”، وهي مصانع الطاقة في الخلية. بتنشيطها، تصبح الخلايا أكثر كفاءة في حرق الدهون وإنتاج الطاقة.
- إصلاح الأنسجة: على عكس الأدوية الحالية التي تكتفي بإبطاء تدهور الحالة، أظهر “الفورموتيرول” قدرة على عكس الضرر النسيجي والوظيفي في الكبد.
- بيانات واقعية مبشرة: لم يتوقف البحث عند الفئران؛ إذ أجرى الفريق تحليلًا استرجاعيًا لبيانات مرضى كانوا يستخدمون هذا النوع من الأدوية لعلاج أجهزتهم التنفسية، ووجدوا ارتباطًا قويًا بانخفاض معدلات تليف الكبد والوفيات.

لماذا يُعد هذا الاكتشاف ثورة في علاج MASH؟
يمثل مرض MASH المرحلة المتقدمة والخطيرة من الكبد الدهني، حيث يبدأ الالتهاب في تدمير الأنسجة، مما يؤدي للتليف ثم الفشل الكبدي. ومع تصاعد معدلات السمنة والسكري، أصبح هذا المرض عبئًا ثقيلًا على الصحة العامة عالميًا.
- الفجوة في العلاجات الحالية: يشير ليبشوتز إلى أن العلاجات المعتمدة مؤخرًا (مثل ريسميتيروم) فعالة بشكل معتدل ولها آثار جانبية، بينما “الفورموتيرول” يتميز بكونه دواءً آمنًا ومعتمدًا منذ عقود، مما يختصر سنوات من تجارب الأمان والترخيص.
- علاج مزدوج: تظهر أهمية الدواء بشكل خاص لمرضى السكري؛ حيث إن 60% منهم يعانون من مرض الكبد الدهني (MASH) واعتلال الكلى السكري معًا. وبما أن الحالتين تنبعان من خلل تمثيل غذائي واحد، فإن “الفورموتيرول” يقدم ضربة مزدوجة للمرض في العضوين معًا.
ما الخطوة التالية؟
رغم التفاؤل، يظل العلم حذرًا. فالباحثون بحاجة إلى إجابات قاطعة حول:
- الجرعة المثالية: ما هي الجرعة التي تحقق التأثير الأيضي المطلوب في البشر؟
- طريقة الإعطاء: هل يكفي استنشاق الدواء ليصل تأثيره إلى الكبد والكلى، أم نحتاج لطريقة أخرى؟
- الاستدامة: هل تستمر هذه الفوائد على المدى الطويل؟
يختتم الدكتور ليبشوتز قائلًا: “ليس كل ما ينجح في الفئران ينجح بالضرورة في البشر، لكن حلمنا كأطباء هو إعادة استخدام أدوية آمنة وغير مكلفة لعلاج أمراض مستعصية. نحن الآن في مرحلة تسجيل المشاركين في التجارب السريرية للإجابة عن هذه الأسئلة.”
يمثل هذا البحث نموذجًا ملهمًا لكيفية تحول “الصدفة العلمية” المدعومة بالتحليل الدقيق إلى أمل جديد لملايين المرضى، فاتحةً أبوابًا كانت مغلقة بين تخصصات طبية مختلفة.





