الصحة والغذاء

«دب» وحارس مرمى

يفكر الكثيرون بمشروعات مستقبلية عدة، ويطمحون إلى تحقيقها، لكنهم في الوقت نفسه يترددون في الخطوة الأولى، التي عادة ما تكون الأصعب والأكثر جرأة لتحقيق المنشود.

 وقد كنت يومًا من هؤلاء الذين يخططون لتحقيق أهدافهم، ولعل أهم هدف كان يلوح في الأفق بشكل مستمر، هو التخلص من الوزن الزائد، والتحليق في عالم الرشاقة، خصوصًا أن الوزن الزائد بات يسبب لي ضيقًا.

بدأ الحلم في الرشاقة منذ أن علمت أنني (متين) في أيام الطفولة، وكنت أتلصص لتلك العبارات التي تصمني بـ(دب)، وأتضايق من كون الآخرين يرونني غير قادر على القيام ببعض الأعمال الطفولية، خصوصًا التي تحتاج إلى سرعة في الحركة.

 وأكثر ما كان يجلب الضيق، حين يتم التخطيط لتسلق مكان مرتفع، كانت تتراكم عليّ الهموم في وقت لم أكن مهيًأ فيه لمثلها، وغير ذلك الكثير.

 والأكثر ألمًا حين يتم تشكيل فريق كرة القدم في الحي، كنت دائمًا ما أُقبل في مركز حارس المرمى، ذلك لأنني سأكون الأكثر قدرة على سد أركان الهدف بفضل تلك الأجزاء المترامية من الجسد، والأهم أن هذا المركز لا يتطلب جهدًا زائدًا، أو لياقة عالية.

 حين كنت أعود إلى منزلي، أتساءل عن سبب ما أنا فيه، فلماذا أنا مختلف عن رفاقي الأطفال؟ لم دائمًا ما ألبس مقاسات أكبر بكثير من عمري؟ وما الدافع الذي يجعلني أتناول كميات أكبر من الطعام؟ وعادة ما تكون أكثر من وجبة في اليوم.

 اكتشفت السر، حيث كان الدلال الذي أفرطت فيه والدتي لي، وراء هذه الشحوم الزائدة، ربما لأنني أول أولادها، ولأنها كانت تأمل أن تراني أكبر من أي شيء رأته، فهذا ما اعتقدته في تلك الفترة، لذا لم أمانع تناول تلك الوجبات التي يسيل لها اللعاب الآن حين أتذكرها، إذ كان هدفها الذي اقتنعت به، يتواءم ورغبتي في التهام ما لذ وطاب.

يبدو أن أمي تنبهت بعد أن وصلت مرحلة فرط في الوزن، حيث بدأت تطلب مني أن أتناول طعامي بعيدًا عن الأعين، وأن أكون أكثر لباقة في طلب ما أوده منه، كذلك كانت تحاول أن تخفف لي تلك الكميات التي أتناولها.. لكن هيهات، فلم تنتبه للمعضلة إلا بعد فوات الأوان، إذ إن الأمر خرج عن إطار السيطرة.

الأهم أنني كنت أنظر إلى والدتي بعين العتب، خصوصًا أنني اعتقدت أنها غيرت معاملتي ودلالي بعد شقيقي الثاني، في حين أنني علمت بعد فترة طويلة أنها فطنت لهذا التوسع الذي بت أعانيه في المساحة.

المهم أن الطموح في تحقيق الهدف حضر متأخرًا، لكن الحمد لله أنني تخلصت من نصف وزني السابق تقريبًا، وأحسست أنني أمارس حياتي بحرية كما لم أمارسها من قبل.

طلال الطريفي

أكاديمي وإعلامي سعودي

نشر المقال في النسخ الورقية من مجلة عالم الغذاء 2007م

اضف تعليق

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات دار   دار اليوم