الصحة والغذاء

حقنة واحدة تخفض الكوليسترول الضار لسنوات

في كشف علمي قد يُحدث تحولًا جذريًا في الاستراتيجيات العلاجية لأمراض القلب، أعلنت شركة الأدوية العالمية “إيلي ليلي” عن نتائج أولية واعدة لعلاج تجريبي مبتكر يعتمد على تقنية تعديل الجينات. العلاج الجديد، الذي يُعطى لمرة واحدة فقط عبر التسريب الوريدي، أظهر قدرة فائقة على خفض مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL)، المعروف باسم “الكوليسترول الضار“، وهو المتهم الرئيسي وراء الجلطات والنوبات القلبية.

تعطيل الجين المسؤول

يستهدف العقار التجريبي، الذي يحمل الرمز العلمي VERVE-102، تثبيط وإيقاف عمل جين محدد في الكبد يُدعى PCSK9 بشكل دائم.

من الناحية البيولوجية، يلعب هذا الجين دورًا محوريًا في تنظيم مستويات الكوليسترول في الدم؛ حيث يؤدي نشاطه الزائد إلى تقليل قدرة الكبد على التخلص من الكوليسترول الضار. ومن خلال إعطاب هذا الجين جينيًا، تتدفق خلايا الكبد لتنقية الدم من الدهون الزائدة بكفاءة غير مسبوقة، مما يقلل تلقائيًا من مخاطر الإصابة بأمراض الشريان التاجي والسكتات الدماغية.

نتائج مخبرية غير مسبوقة

شملت المرحلة الأولى من التجارب السريرية 35 بالغًا يعانون من مرض الشريان التاجي المبكر، وجاءت النتائج مذهلة ومرتبطة بحجم الجرعة الممنوحة للمرضى:

  • الجرعة الدنيا: حققت خفضًا في مستويات الكوليسترول الضار بنسبة متوسطة بلغت %51.
  • الجرعة القصوى: قفزت بنسبة الخفض إلى مستويات قياسية وصلت إلى %88.

ولم تقتصر المفاجأة على عمق التأثير فحسب، بل في استدامته؛ إذ أكد الباحثون استمرار انخفاض مستويات الكوليسترول لدى مجموعة فرعية من المرضى لمدة وصلت إلى 18 شهرًا بعد تلقي الحقنة الواحدة.

رأي الخبراء: يعلق الدكتور رياز س. باتيل، أستاذ أمراض القلب في جامعة كوليدج لندن وأحد المشاركين في الدراسة، قائلًا: “هذه نتائج أولية مثيرة للغاية. تأثير هذا العلاج الجيني يضاهي، بل يتفوق على أفضل العلاجات الدوائية المتاحة حاليًا. الأهم من ذلك هو عامل الاستدامة، مما يفتح الباب مشرعًا أمام نموذج علاجي مستقبلي يعتمد على جلسة واحدة مدى الحياة”.

الأمان والآثار الجانبية

وفقًا للبيانات المعلنة، حظي العقار بمأمونية عالية وتحملٍ جيد من قبل جميع المشاركين في مختلف مستويات الجرعات، ولم تُسجل أي آثار جانبية خطيرة. واقتصرت الأعراض الأكثر شيوعًا على تفاعلات موضعية مؤقتة مرتبطة بالتسريب الوريدي وشعور عابر بالإرهاق.

ويأتي هذا الابتكار ليلبي حاجة ملحة؛ إذ يعاني ملايين المرضى عالميًا من صعوبة الالتزام بالخطة العلاجية اليومية أو تحقيق السيطرة المستدامة على مستويات الدهون، مما يجعلهم عرضة دائمة للانتكاسات الصحية، لا سيما أن أمراض الشريان التاجي لا تزال تتصدر قائمة أسباب الوفيات عالميًا.

خارطة الطريق نحو الأسواق

تأتي المعطيات الحالية من تجارب المرحلة الأولى، وتتأهب الشركة لبدء دراسات المرحلة الثانية بحلول نهاية العام الجاري. ونظرًا للقيمة العلاجية الواعدة، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) العقار تصنيف “المسار السريع” لتسريع وتيرة تطويره ومراجعته.

ويرى الدكتور روجر بلومنتال، مدير مركز “جونز هوبكنز سيكارون” للوقاية من أمراض القلب، أن هذا المفهوم العلمي منطقي تمامًا، خاصة للأفراد الأكثر عرضة للمخاطر، مستندًا إلى القاعدة الطبية: “كلما انخفض الكوليسترول الضار، زادت حصانة الجسم ضد أمراض الأوعية الدموية”. وتوقع بلومنتال أن يكون العلاج جاهزًا للمراجعة النهائية من قبل الـ FDA في غضون ثلاث إلى أربع سنوات.

هل نودع الحبوب اليومية؟

إذا ما أكدت الأبحاث المستقبلية واسعة النطاق هذه النتائج، فإن VERVE-102 سيحدث ثورة تغير وجه الطب الوقائي؛ حيث سيستبدل المرضى منظومة الحبوب اليومية أو الحقن الدورية المنتظمة بعلاج جيني لمرة واحدة يوفر حماية تمتد لسنوات.

إلا أن الخبراء يجمعون على أن هذا التحول التكنولوجي لن يلغي بحال من الأحوال ضرورة اتباع أنماط حياة صحية. فالحمية المتوازنة وممارسة الرياضة تظلان الركيزة الأساسية للوقاية من أمراض أخرى معقدة، مثل الأورام السرطانية والتدهور المعرفي، والتي لا يمكن للعلاجات الجينية الموجهة للكبد التعامل معها.

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات روناء للإعلام المتخصص   روناء