يواجه أكثر من 300 مليون شخص حول العالم معركة يومية مع مرض الاكتئاب. ورغم أن العلاجات التقليدية، من أدوية وجلسات نفسية، تنجح في تخفيف الأعراض وإعادة التوازن لحياة الكثيرين بعد بضع محاولات، فإن ثلث المصابين يصطدمون بحائط مسدود، حيث لا تجدي معهم العلاجات القياسية نفعًا، وهو ما يُعرف طبيًا بـ”الاكتئاب المقاوم للعلاج”.

إلا أن بارقة أمل جديدة تلوح في الأفق؛ إذ تشير النتائج الأخيرة لتجربة سريرية كبرى (نُشرت في المجلة الدولية لعلم الأدوية النفسية العصبية) إلى أن جهازًا صغيرًا يُزرع تحت الجلد قد يوفر فائدة علاجية مستدامة وطويلة الأمد لأولئك الذين عانوا من الاكتئاب الحاد لعقود.
ما هو جهاز تحفيز العصب المبهم؟
“العصب المبهم” هو أحد أطول الأعصاب في الجسم، ويمتد من جذع الدماغ مرورًا بالرقبة والصدر وصولًا إلى البطن، رابطًا الدماغ بأعضاء حيوية كالقلب والرئتين والجهاز الهضمي.
يعتمد العلاج المبتكر على تحفيز العصب المبهم (VNS) عبر خطوات محددة:
- الزرع الجراحي: يُزرع جهاز صغير (يشبه في حجمه منظم ضربات القلب) تحت جلد الصدر.
- التوصيل الكهربائي: يُربط الجهاز بسلك رفيع يصل إلى العصب المبهم الأيسر في الرقبة.
- آلية العمل: يقوم الجهاز بإرسال نبضات كهربائية قصيرة ومنخفضة الشدة بفترات زمنية منتظمة لإعادة تنظيم الإشارات الدماغية.
ملاحظة علمية: حظي هذا الجهاز بموافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) منذ عام 2005 لعلاج حالات الاكتئاب المستعصية، ورغم هذه الموافقة، لا تزال الآلية الدقيقة التي يؤثر بها على الدماغ لتخفيف الاكتئاب قيد البحث والدراسة.
اختبار العينة “الأصعب” طبيًا
جاءت هذه البيانات من تجربة سريرية واسعة نُفذت في الولايات المتحدة وشملت 493 مريضًا. ولم تكن هذه العينة عادية، بل ضمت أشخاصًا استنفدوا كافة الحلول المتاحة.
- تاريخ المرض: كان المرضى يعانون من الاكتئاب لمدة متوسطها 29 عامًا، ونحو ثلاثة أرباعهم كانوا عاجزين عن العمل.
- فشل العلاجات السابقة: خضع جميع المشاركين لأربع محاولات علاجية فاشلة على الأقل، بل إن المتوسط الفعلي كان 13 علاجًا فاشلًا لكل مريض قبل الانضمام للتجربة.
وفي هذا السياق، علق البروفيسور كونواي، أحد أبرز الباحثين في الدراسة، قائلًا:
“لقد أمضى هؤلاء المرضى أكثر من نصف حياتهم يعانون من الاكتئاب. ونعتقد أن العينة في هذه التجربة تمثل أسوأ حالات الاكتئاب المقاوم للعلاج التي خضعت للدراسة السريرية على الإطلاق”.

نتائج واعدة ومستدامة في تقرير 2026
ركز التقرير الأخير لعام 2026 على المتابعة طويلة المدى لـ 214 مريضًا تم تشغيل أجهزتهم منذ بداية التجربة (حيث قُسم المرضى في السنة الأولى بين مجموعة خاضعة للتحفيز ومجموعة ضابطة). وكان الهدف معرفة مدى استمرارية الفوائد في السنة الثانية. وجاءت النتائج إيجابية ومبشرة بشكل غير نمطي في هذا النوع من الأمراض:
- استجابة واسعة: أظهر 69% من المشاركين تحسنًا ملحوظًا في مقاييس الأعراض بعد 12 شهرًا.
- استدامة الفائدة: حافظ أكثر من 80% من هؤلاء المستجيبين على تحسنهم (أو زادوا منه) بعد مرور 24 شهرًا، وشمل ذلك تحسنًا في جودة الحياة والأداء اليومي.
- الاستجابة القوية: المرضى الذين أظهروا تحسنًا بنسبة 50% أو أكثر في السنة الأولى، حافظ 92% منهم على هذه النتيجة بعد عامين.
- التعافي الكامل: تمكن واحد من بين كل خمسة مرضى (20%) من التخلص تمامًا من أعراض الاكتئاب والوصول لمرحلة الشفاء بحلول نهاية العام الثاني.
علاج بطيء وتأثيرات تراكمية
تؤكد النتائج أن تحفيز العصب المبهم ليس حلًا سريًا أو فوريًا؛ إذ يتطلب الأمر وقتًا تظهر فيه استجابة الدماغ للأعصاب. ومن أبرز ما كشفته الدراسة أن ثلث المرضى الذين لم يستجيبوا للعلاج خلال السنة الأولى، بدأت حالتهم في التحسن الملحوظ بحلول الشهر الـ 24، مما يعني أن استمرار التحفيز قد يؤتي ثماره على المدى الطويل حتى لو تأخرت النتائج الأولية.
أوضح كونواي تفاؤله بالنتائج قائلًا: “مع هذا النوع من الأمراض المزمنة والمعيقة، فإن تحقيق استجابة جزئية للعلاج يعد أمرًا مغيرًا لمجرى الحياة. إن رؤية استدامة الفائدة لمدة عامين في مرض معقد كهذا تجعلني متفائلًا جدًا بمستقبل هذا العلاج”.





