الصحة والغذاء

بعد 55 عامًا: مركب فطري لمكافحة السرطان

في إنجاز علمي تطلب أكثر من نصف قرن من المحاولات، تمكن كيميائيون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وكلية الطب بجامعة هارفارد من تخليق مركب “فيرتيسيلين أ” (Verticillin A) مخبريًا لأول مرة. هذا المركب، الذي استخلص لأول مرة من فطريات مجهرية في عام 1970، يُعد سلاحًا بيولوجيًا طبيعيًا تستخدمه الفطريات للدفاع عن نفسها، لكنه أظهر إمكانات مذهلة في القضاء على الخلايا السرطانية.

تحدي الـ55 عامًا: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت؟

رغم اكتشافه المبكر، ظل إنتاج “فيرتيسيلين أ” بكميات كافية للدراسة السريرية عقبة كبرى. في الطبيعة، يوجد هذا المركب بكميات ضئيلة جدًا داخل نوع من الفطريات المجهرية، وعملية استخلاصه معقدة ومكلفة.

أما من الناحية الكيميائية، فيُصنف “فيرتيسيلين أ” كواحد من أكثر الجزيئات تعقيدًا. يتكون الجزيء من نصفين متطابقين تمامًا يندمجان معًا لتكوين ما يسمى بـ”الدايمر” (Dimer).  وتكمن الصعوبة في ترتيب بنيته ثلاثية الأبعاد بدقة متناهية؛ فأي خطأ بسيط في زوايا الروابط الكيميائية يجعل المركب غير مستقر أو عديم الفعالية.

الابتكار الكيميائي: التوقيت هو كل شيء

نجح الفريق بقيادة البروفيسور “محمد موثاقي” (Mohammad Movassaghi) في فك شيفرة هذا المركب عبر عملية كيميائية مكونة من 16 خطوة. واكتشف الباحثون أن السر يكمن في “التوقيت”؛ حيث تعين عليهم تغيير ترتيب إضافة الجزيئات وحماية الروابط الهشة من الانكسار أثناء التفاعل.

هذا النجاح لا يعني فقط القدرة على إنتاج المركب “عند الطلب” في المختبر، بل يفتح الباب لتعديل تركيبته لجعله أكثر فعالية وأقل سمية.

أمل جديد لسرطان الدماغ لدى الأطفال

بعد النجاح في تركيب المركب، قام باحثون في معهد “دانا فاربر” للسرطان باختبار مشتقات من “فيرتيسيلين أ” على نوع شرس ونادر من سرطان الدماغ لدى الأطفال يُعرف بـ “الورم الدبقي المنتشر في الخط الناصف” (DMG)، وهو ورم يصعب علاجه جراحيًا أو كيميائيًا.

أظهرت النتائج الأولية أن المركب التركيبي الجديد نجح في استهداف بروتينات معينة داخل الخلايا السرطانية، مما دفعها إلى التدمير الذاتي (الموت الخلوي المبرمج) عبر زيادة عملية “مثيلة الحمض النووي” (DNA methylation).

الآفاق المستقبلية

يمثل هذا الاختراق العلمي تحولًا جذريًا في دراسة هذا المركب. فبعد أن كان العلماء مقيدين بالكميات الضئيلة المستخلصة من الطبيعة، أصبح بإمكانهم الآن إجراء تجارب موسعة لفهم كيفية تفاعل “فيرتيسيلين أ” مع أنواع مختلفة من السرطان، مما يمهد الطريق لتطوير جيل جديد من العلاجات الكيميائية المبتكرة التي ظلت حبيسة المختبرات لأكثر من خمسة عقود.

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات روناء للإعلام المتخصص   روناء