الصحة والغذاء

الإفراط في المكملات الغذائية.. خطر يهدد الكبد والكلى

لم تعد الحبوب والمساحيق الملونة التي تملأ رفوف الخزائن مجرد علاج لنقص الفيتامينات، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى “نمط حياة” وصيحة تروج لها منصات التواصل الاجتماعي تحت لافتة “تعزيز الصحة المستدامة”. غير أن هذا الاندفاع العاطفي نحو “الرفاهية الصحية” بات، بحسب خبراء وأطباء تحدثوا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي“، يهدد بانتكاسات صحية خطيرة تصيب الأعضاء الحيوية في الجسم، وفي مقدمتها الكبد والكلى.

وتشير الأرقام الصادرة عن استطلاع حديث لمجموعة المستهلكين البريطانية إلى أن 76 في المئة من المستطلعة آراؤهم يتناولون مكملًا غذائيًا واحدًا على الأقل بانتظام، في حين أن نحو خُمس المشاركين يتناولون أربعة مكملات أو أكثر يوميًا، وهو ما يترجم حجم الهوس العالمي الجديد.

فخ الجرعات العالية

في سياتل الأميركية، عاشت المؤثرة “جينجر سميث” (30 عامًا) تجربة مريرة تختصر هذا الواقع؛ فبحكم عملها في ترويج العلامات التجارية، كانت تتلقى صناديق مجانية من المكملات لتشيد بفوائدها عبر الإنترنت. واظبت سميث على تناول جرعات عالية من فيتامين (د)، وفيتامين (سي)، والكركم، ومكملات مضادة للانتفاخ، إضافة إلى المياه المدعمة بالإلكتروليتات.

ورغم شعورها بالنشاط لسنوات، استيقظت جينجر على آلام حادة في أسفل الظهر، لتكشف الفحوصات الطبية والموجات فوق الصوتية عن مفاجأة صادمة: حصوة كلوية ضخمة تراوح حجمها بين 2 إلى 3 سنتيمترات، تشكلت نتيجة خلط تلك المكملات اليومية، مما استدعى تدخلًا جراحيًا فوريًا كلفها آلاف الدولارات.

ويفسر الأطباء هذه الحالة علميًا بأن الإفراط في فيتامين (د) يحفز الجسم على امتصاص الكالسيوم بشكل مفرط، مما يؤدي إلى زيادة طرحه في البول وتشكيل حصوات “أكسالات الكالسيوم”، وهي المخاطر التي تضاعفت بفعل تحول فائض فيتامين (سي) في الجسم إلى المادة نفسها.

سمية كبدية.. المكملات العشبية في قفص الاتهام

الخطر لا يتوقف عند الكلى؛ إذ ينبه الدكتور “بيدرو دي ماريا بالاريس”، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي بمستشفى لا باز الجامعي في مدريد، إلى تدفق متزايد للمرضى الذين يعانون من مشاكل كبدية حادة نتيجة تناول المكملات العشبية.

وتُظهر الأبحاث الطبية في الولايات المتحدة أن 20 في المئة من حالات تلف الكبد الحاد ناجمة عن خلط المكملات العشبية والغذائية. وتتصدر مواد مثل: فيتامين (أ)، والجلوتامين، والأشواغاندا، ومستخلص الشاي الأخضر، قائمة المواد السامة للكبد عند تناولها بجرعات عالية ومستمرة، مما يجهد الخلايا الكبدية ويقودها إلى التليف.

وفي هذا السياق، تؤكد مؤسسة الكبد البريطانية رصدها لحالات إصابة كبدية مماثلة، داعية العموم إلى إعمال مبدأ المفاضلة والموازنة بين الفوائد المحتملة والمخاطر الكامنة قبل تناول أي منتج.

التشكيك العلمي الممنهج وخطر الخلط العشوائي

من جانبه، يدعو الدكتور “كاران راجان”، الجراح في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) والمؤثر العلمي، إلى تبني قاعدة طبية صارمة: “كل مكمل غذائي يستحق التشكيك حتى يثبت العكس”. ومع إقراره بأن تراجع جودة التربة الزراعية في العصر الحالي مقارنة بخمسينيات القرن الماضي قد يبرر الاستعانة بالمكملات لسد الثغرات الغذائية بحكمة، فإنه يحذر من عشوائية الخلط.

وتلخص البروفيسورة “فيكتوريا تزورتزيو براون”، رئيسة الكلية الملكية للأطباء العامين، هذه المخاطر في ثلاث نقاط أساسية:

  • تضاعف الجرعات وتلف الأعصاب: تناول الفيتامينات الشاملة مع مكمل منفرد مثل فيتامين B6​ قد يؤدي مع الوقت إلى تلف الأعصاب الطرفية.
  • التنافس الخلوي: خلط الحديد والكالسيوم والمغنيسيوم معًا يعوق امتصاصها، لتنافسها على الناقلات المعوية ذاتها.
  • التراكم السام: الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل (A, D, E, K) يخزنها الجسم في الأنسجة لفترات طويلة، والملء المستمر لهذه المخازن دون حاجة حقيقية يقود إلى التسمم بها.

الغذاء أولًا.. العودة إلى المنطق الطبي

تخوض أخصائية التغذية البريطانية “كريستين ستافريديس” ما تصفه بـ”معركة خاسرة” ضد إغراءات وسائل التواصل الاجتماعي التي تقنع الأصحاء بحاجتهم الوهمية للمكملات. وتتلخص نصيحتها الذهبية في شعار واحد: “أعطِ الأولوية للطعام”.

وتضع ستافريديس خارطة طريق واضحة للاستخدام الرشيد:

الحالة الصحية / الفئةالتوصية الطبية المعتمدة
البالغون الأصحاءالاعتماد الكلي على نظام غذائي متوازن.
فيتامين د (D)يقتصر على أشهر الشتاء فقط لتعويض غياب الشمس.
النساء والأكثر عرضة للأنيمياتناول مكملات الحديد لفترة قصيرة ومحددة حتى انتظام المستويات.

وتختتم الخبيرة نصيحتها بضرورة مراجعة الكميات اليومية الموصى بها (RDAs) المكتوبة على الملصقات، واستشارة الطبيب المعالج لضمان عدم تداخل المكملات مع الأدوية الموصوفة.

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات روناء للإعلام المتخصص   روناء