الصحة والغذاء

إنها العريكة يا أهل العصيد

أول الكلام

«يا ليت عندي عريكة وأربع ملاعق عسل»

 هذه البداية على طريقة الأديب والكاتب القدير عبدالله الجفري الذي طل علينا في السابق من خلال زاويته في جريدة الحياة اللندنية, وكان يستفتح مقالاته دائمًا بكلمتين متلازمتين في أول المقال وهي «أول الكلام» ثم يضع بيتًا من الشعر أو مقولة مشهورة لأحد أدباء العالم وينثر إبداعه بعد ذلك.

وأنا هنا بدأت الكلام بتعديل أغنية شعبية سمعتها لأول مرة من الفنان الشعبي والفاكهي محمد سليم يقول فيها:

ياليت عندي عصيدة

وأربع صواني مرق

ولا بطـــاسة عريكه

 حتى يسيــــل العرق

كما تلاحظون أن البداية كانت بالعصيدة وهذا إجحاف في حق العريكة  لذا عدلت البيت الأول من العصيدة إلى العريكة لأنها ألذ مذاقًا إضافة إلى أنني أحبها, وبما أن العريكة لا تتناسب مع المرق وضعت العسل ولأن العسل غالي خصوصًا في المنطقة الجنوبية اكتفيت بأربع ملاعق عوضًا عن الصواني.

 ولا يعني ذلك أنني أكره العصيدة لكن لا أريد أن أتعارك مع عمدة المتعصدين عبدالكريم الرازحي الكاتب اليماني المشهور صاحب زاوية «بيت العصيد» التي كانت تطل في السابق من جريدة الوطن السعودية.

 وأتذكر أن أبو العصيد قال في أول مقالاته في تلك الزاوية أنه سيعصد الكلمات عصدًا ليخرجها للجمهور في مقال.

 أما أنا فسأعرك الكلمات عركًا لأحدثكم عن وجبات شعبية وعادات عربية مررت عليها باللسان أو العين والأذن, وسيكون حديثي في البداية عن محبوبتي «العريكة» وبالتحديد العريكة الجنوبية أو الحجازية وهو الاسم الصحيح, وأنا أعني هنا سكان قمم جبال الحجاز «السراوات» التي تمتد من الطائف إلى أبها وسكانها هم الحجازيون أصلًا وسميت الجبال بذلك لأنها تحجز سهل تهامة عن هضبة نجد, وإلى الآن ما زال أهل تهامة يستخدمون هذا المسمى لسكان تلك الجبال، إذيطلقون عليهم «حزازية» وهي تعني «حجازيون»، ويقال فلان «حزي» بمعنى حجازي.

  والعريكة هي وجبة شعبية مشهورة في جنوب الجزيرة العربية وتقدم كوجبة إفطار في الغالب أو وجبة سريعة تعد للضيف القادم في غير أوقات الوجبات الرئيسية,  وهي مكونة من دقيق البر الأسمر والماء والسمن والعسل ويضاف لها أحيانًا حبات من التمر.

 وقد وقفت على رأس أمي كثيرًا عند إعدادها للعريكة فتقوم بوضع ثلاث أكواب من الدقيق (دقيق السراة نسبة إلى جبال السراوات أو دقيق نجران الأسمر) على كوب ماء وملعقة ملح ثم تعجن الكمية بعد إضافة الخميرة عليها وتتركها لمدة نصف ساعة, ثم تقوم خلالها بتسخين صينية  في الفرن لمدة عشر دقائق على نار هادئة, بعد ذلك تصب الخليط فيها وتتركها على نار هادئة حتى تحمر من الأسفل وتقلبها حتى تنضج وإذا تحمرت من الجهتين واستوت من الداخل قطعتها  إلى قطع صغيرة وتقوم بهرسها باستخدام المهراس في العرك وترش قليلًا من السمن أثناء العرك بعد ذلك تضعها في السلطانية أو طبق التقديم وتقوم بحفر حفرة في وسطها وتصب فيها السمن والعسل.

   وأعتقد أن أهم ما في الموضوعات المطروحة نتائجها, وهنا أبين لكم نتيجة العريكة مع وجود شاهد على ذلك وهو أحد أقاربي ويلقب بـ «عريكة»، فهو يأكلها كل صباح لذا هو طويل القامة قوي العظم والعضل شديد البنية لو تتاح له فرصة في الملاكمة فسيخرق وجه بطل الملاكمة البريطاني نسيم حميد اليماني الأصل «صاحب العصيدة» وسيجعله عبرة لكل متعصد.

حسن العمري

  • منشورة في مجلة عالم الغذاء2007م

اضف تعليق

تابعنا

تابع الصحة والغذاء على مختلف منصات التواصل الاجتماعي

الصحة والغذاء إحدى بوابات دار   دار اليوم